سيناء أطاحت بحكم محمد مرسي

الأربعاء 2013/08/28
مرسي لم يكترث بتدهور الوضع الأمني في سيناء

ارتكب مرسي أخطاء كثيرة دفعت المصريين إلى تحدّي شرعيّته، وكان الوضع الأمني الذي يتدهور بسرعة في سيناء الحافز الأساسي وراء الاطاحة به من السلطة. فرفضُه تطبيق إجراءات شديدة الحزم لوقف التدفّق المتزايد للأسلحة والمقاتلين إلى سيناء – وما أظهره من عدم اكتراث بالثأر لمقتل الجنود المصريين – ساهم في دفع الجيش المصري إلى الانضمام إلى صفوف معارضيه. وقد أخذت القوات المسلحة المصرية الأمور على عاتقها، بدعم ضمنيّ من الجيشين الإسرائيلي والأميركي القلِقَين من تدهور الوضع الأمني، من أجل حماية ما اعتبرته الأولوية القصوى في الأمن القومي المصري.

يُشكّل الحفاظ على الأمن في شبه جزيرة سيناء، ولاسيما عند الحدود الشرقية مع إسرائيل، جزءا لا يتجزأ من الالتزامات المصرية بموجب معاهدة السلام مع إسرائيل. لذلك، اعتمدت قوات الأمن المصرية في عهد مبارك، مقاربة تقوم على عدم التساهل على الإطلاق مع كل مَن يُشتبَه في ضلوعه في الإرهاب...

بعد اندلاع ثورة 2011، تدفّقت الصواريخ المضادّة للطائرات والدبّابات من ليبيا إلى سيناء، واستمرّ ذلك أثناء رئاسة مرسي. وقد دخل بعض هذه الصواريخ إلى غزة عن طريق الأنفاق الواقعة تحت الأرض، في حين ظلّ القسم الآخر في سيناء تحت سيطرة مجموعات متطرّفة اعتبرت أن نظام مرسي يتساهل كثيرا في تفسير الشريعة الإسلامية. وترافقت الأسلحة مع وصول المقاتلين من الخارج، مدفوعين بأهداف سياسية متنوّعة تتراوح بين شنّ هجمات على إسرائيل ومهاجمة القوات المسلحة المصرية، في إطار جهودهم الآيلة إلى إنشاء إمارة إسلامية في سيناء. وقد سلّطت الطريقة التي تعاطى بها مرسي مع هذه التطوّرات، الضوء على التحوّل في سياسته الخارجية ومقاربته للأمن القومي، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة وحليفتها الإقليمية الأساسية، إسرائيل، تتخوّفان على مصالحهما الجيوسياسية في المنطقة. ومع توطُّد أواصر العلاقات بين نظام مرسي وحركة "حماس"، ازداد تهريب السلع والأسلحة من سيناء إلى غزة، الأمر الذي أثار قلق إسرائيل من الاتّجاه الذي يمكن أن تسلكه الأمور. فضلا عن ذلك، تحدّثت التقارير عن وصول أشخاص يصفون أنفسهم بالجهاديين من الخارج، وإعادة تنظيم صفوفهم في سيناء،، الأمر الذي يؤشّر علىلبوادر الأولى مشكلة طويلة الأمد يمكن أن تواجهها أميركا في إطار استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب.

كما أن المقاربة الناعمة التي اعتمدها مرسي في التعامل مع خطف الجنود المصريين وقتلهم في سيناء، من خلال الوساطة مع زعماء القبائل بدلا من اللجوء إلى الردّ العسكري، جعلته يبدو، في نظر جيشه، ساذجا وغير مناسب لإدارة شؤون البلاد. وفي نوفمبر – تشرين الثاني 2012، رفض مرسي رفضا قاطعا طلب الفريق أول السيسي ضرب الإرهابيين في سيناء، ونُقِل عنه قوله "لا أريد أن يريق المسلمون دماء بعضهم بعضا".

رأى الجيش في تساهل مرسي دليلا على ولاءاته المتناقضة، بين تعاطفه مع المجموعات الإسلامية المتطرّفة – على الرغم من رفضه لجوئهم إلى العنف – وبين التزاماته الرئاسية التي تفرض عليه الحفاظ على الأمن في سيناء. وهكذا، ظهرت شكوك حول ما إذا كان لدى مرسي وأنصاره في جماعة الإخوان المسلمين مخطّطات أبعد في ما يتعلّق بسيناء، ربما في سياق أيديولوجيا خارجية تسعى إلى إقامة تحالف إسلامي جامع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، بدلا من العمل على تحقيق مصالح الأمن القومي المصري، كما وردت في معاهدة السلام التي وُقِّعت في كامب ديفيد. وهكذا، أتاحت سياسات مرسي في سيناء للجيش فرصة تقديم دعمٍ واضحٍ وصريحٍ للمعارضة في جهودها الهادفة إلى إطاحته من الرئاسة. ومع أن مرسي اعتمد في نهاية المطاف إجراءات أكثر تشدّدا في سيناء – بعدما بات واضحا أن الوساطة فشلت في احتواء المجموعات الإسلامية المتطرّفة – إلا أن الأوان كان قد فات. فالقادة العسكريون كانوا قد بدؤوا مباحثات خلف الكواليس مع معارضي مرسي، حتى في الوقت الذي أجاز فيه هذا الأخير إغراق الأنفاق التي تُستخدَم في التهريب بين سيناء وغزة، بالمياه، وتعزيز الإجراءات عند الحدود لاعتراض حركة الأسلحة والمهاجرين، وتوقيف كل مَن يشتبه في ضلوعه في عمليات الاتّجار غير المشروع. ربما لم يكن قد جرى بعد تحديد التوقيت والطريقة، لكن الجيش اتّخذ قراره بأن مرسي غير مناسب لحكم البلاد. لقد حمل العامان المنصرمان دروسا كثيرة للمصريين الذين يخرجون ببطء من ضباب نظام دكتاتوري استمرّ عقوداً. فمن إعطاء الأولوية للاقتصاد وصولاً إلى تعلّم بناء إجماع بين مختلف الأفرقاء ضمن مساحة سياسية في طور التبلور، على قادة المستقبل أن يأخذوا أموراً كثيرة في الاعتبار عند تأمّلهم في مصير مرسي. لكن لعل الدرس الأهم للرؤساء المدنيين الذين سيحكمون البلاد في المرحلة المقبلة هو أن يضعوا سيناء على رأس أجندة الأمن القومي في مصر.

6