سيناء تتحول إلى مرتع للجماعات الإرهابية في غفلة من الجميع

في ظل تنامي النشاط الجهادي في شبه جزيرة سيناء، وما رافقه من تكرّر للعمليات الإرهابية في المنطقة وغيرها من المناطق المصرية في الآونة الأخيرة، يعرض المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، وثيقة بحثية تستند إلى عدد من التقارير المعلوماتية، أعدّها معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط عن أبرز الجماعات الإرهابية في سيناء. وترمي الوثيقة إلى التعريف بجلّ الفصائل الجهادية التي بدأت تصعّد من نسق هجماتها مؤخرا، في محاولة للتعرف عليها وصدّ أخطارها المستقبلية.
الاثنين 2015/07/06
حادثة اغتيال النائب العام توحد كلمة المصريين ضد الإرهاب ودعاته

القاهرة- تسبّبت حالة الفوضى والإرباك التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في مصر، في تراجع القبضة الأمنية التي كانت تسيطر بواسطتها السلطات على شبه جزيرة سيناء، ما مكّن التنظيمات الإرهابية من استغلال الفرصة والعودة إلى العمل والانتشار في المنطقة بعد سنوات من المواجهة، إبان فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، في التسعينات من القرن المنصرم، كانت قد نجحت في تقويض انتشار التنظيمات الإرهابية في تلك الأرض المصرية.

ومع تدخل المؤسسة العسكرية المصرية، في الثالث من يوليو 2013، لإزاحة الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، بعد عام من حكمهم لمصر، على إثر ثورة شعبية، عادت التنظيمات الإرهابية إلى العمل في سيناء لتثأر من الدولة المصرية عامة والمؤسسة العسكرية خاصة، ولتشهد المؤسسات الأمنية والعسكرية في شبه جزيرة سيناء عمليات إرهابية دموية لم تشهدها مصر من قبل من حيث عدد المصابين، ومعدل تكرارها، ناهيك على التطوير في أساليبها.

ولم يعد الإرهاب يقتصر على شبه جزيرة سيناء، بل إنه بدأ ينتقل إلى الداخل المصري مستهدفا أيضا المؤسسات الأمنية مثل استهداف مديرية أمن الدقهلية والقاهرة، بالإضافة إلى استهداف قيادات بوزارة الداخلية منها محاولة اغتيال وزير الداخلية وقيادات آخرين بالدولة، وآخرها العملية التي استهدفت في بداية الأسبوع الماضي النائب العام وأسفرت عن وفاته، والهجوم الإرهابي الذي جدّ على إثرها على مدينة شيخ زويد بشمال سيناء.

خارطة الجهاديين

لفهم آليات عمل تلك الجماعات الإرهابية الناشطة في مصر وجب التنبه إلى أدقّ تفاصيلها التنظيمية والبنيوية والفكرية والمالية التمويلية. وتتشكل خارطة النشاط الجهادي في شبه جزيرة سيناء، وفي مصر عموما، من المجموعات التالية:

الإرهاب لم يعد يقتصر على شبه جزيرة سيناء، بل بدأ ينتقل إلى الداخل المصري، مستهدفا أيضا المؤسسات الأمنية والقيادات

☚ أنصار الجهاد:

تدين الجماعة بولاء شديد إلى تنظيم القاعدة. ووفقا لخبراء محليين في مكافحة الإرهاب؛ فإنّ بحوزتها أسلحة متطورة من ضمنها أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف ومدافع هاون.

وتنشط الجماعة بقيادة رمزي محمود الموافي، المعروف أيضا بلقب “الكيميائي”، والمشهور بأنه كان طبيب أسامة بن لادن الشخصي. وقد قضى زمنا طويلا مع القاعدة في أفغانستان، حيث عمل كخبير في المتفجرات والأسلحة الكيميائية. وكان الموافي يقضي حكما بالسجن المؤبد على خلفية تهم غير معروفة عندما فر من حبسه في واقعة اقتحام سجن وادي النطرون في يناير 2011.

وبعد فراره من السجن في يناير 2011، أعلن مسؤولو استخبارات مصريون أنّ الموافي عاود الظهور في سيناء بحلول أغسطس 2011؛ حيث كان يدرب مسلحين من جماعتَيْ جيش الإسلام والتكفير والهجرة. وفي 1 ديسمبر 2011، أعلن بيانٌ منشور على أحد المواقع التابعة للجهاديين على الإنترنت عن تكوين الجماعة المسماة “أنصار الجهاد في شبه جزيرة سيناء”.

وتُعتبر جماعة أنصار الجهاد نفسها الجناح العسكري لتنظيم القاعدة في شبه جزيرة سيناء، والحقيقة أنها تجمعها بها على ما يبدو أوثق الصلات الرسمية من خلال علاقات الموافي. وبعد الإعلان عن تأسيسها، أعلنت الجماعة ولاءها لأيمن الظواهري، الذي وصفته بأنه “شيخها الحبيب المجاهد”.

وقد أعلنت جماعة أنصار الجهاد مسؤوليتها عن سلسلة من الهجمات التي وقعت ضدّ خط أنابيب الغاز، بما في ذلك هجوم وقع في 2 مايو 2012، انتقاما لموت أحد زعمائها في أحد سجون القاهرة. وفي حين لم تعلن قط رسميًّا مسؤوليتها عن الهجوم، فقد تبين وجود صلة تربط الجماعة بهجوم وحشيّ آخر استهدف في 19 أغسطس 2013 قوات تابعة للأمن المركزي، وشمل إعدام 25 جنديًّا أثناء نقلهم بين العريش ورفح.

☚ جيش الإسلام:

تُهاجم الجماعة في المقام الأول أهدافا مدنية عن طريق عمليات الخطف والتفجيرات. كما عُرف عن الجماعة أيضا أنها أطلقت صواريخ على إسرائيل.

ويقودها، ممتاز دغمش، المعروف أيضا بكنية “أبو عبير”، هو أحد قيادات عشيرة دغمش في مدينة غزة، وعضو سابق في حركة حماس. وقد تأسس جيش الإسلام في العام 2006. وفي 19 مايو 2011، أدرجته الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية.

في بيان سابق أعلن فيه جيش الإسلام مسؤوليته عن اختطاف الصحفي ألن جونستون في العام 2007، أدانت الجماعة احتلال فلسطين وحمّلت البريطانيين مسؤولية إقامة دولة إسرائيل، كما أدانت أيضا الولايات المتحدة لمشاركتها في حرب “صليبية” ضد الإسلام. وذكرت جماعة جيش الإسلام صراحة في هذا البيان أنه لا فرق بين الحكومتَيْن البريطانية والأميركية وشعبيهما اللذين أصبحا “محاربِين تباح دماؤهم وأموالهم”.

وترغب الجماعة في تدمير الأمم وإقامة “خلافة إسلامية”، وقد أثنت علانية على القاعدة وزعيمها السابق أسامة بن لادن. كما عملت الجماعة أيضا مع مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس بغية تنفيذ هجمات.

وقد حمّلت وزارةُ الداخلية المصرية جماعة جيش الإسلام المسؤولية عن هجوم وقع على كنيسة قبطية عشية رأس سنة 2011، لكن الجماعة أنكرت مسؤوليتها عن الهجوم الذي راح ضحيته 21 شخصا من المترددين على الكنيسة في الإسكندرية.

ونُسب هجوم وقع في 5 أغسطس 2012 على مجموعة من جنود الجيش المصري يتهيؤون لتناول إفطار رمضان إلى جماعة جيش الإسلام. وعلى الرغم من أن هناك آخرين نسبوا هذا الهجوم إلى مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، إلا أن الجماعة أنكرت مسؤوليتها عنه.

☚ التكفير والهجرة:

سميت كذلك بجماعة أصحاب الرايات السوداء، لأنّ أعضاءها يرتدون أقنعة سوداء، ويرفعون رايات سوداء تحمل عبارة “لا إله إلا الله”. والجماعة معروف عنها أنّها جيدة التنظيم، وتملك أسلحة متطورة جدًّا، وتنشط في شبه جزيرة سيناء المصرية في الدرجة الأولى، وتحديدا في الشيخ زويد، تحت قيادة عبدالفتاح حسن حسين سالم، الذي أُلقي القبض عليه مع مساعد له في أكتوبر 2013.

وقد وُجدت نسخة سابقة من هذه الجماعة بقيادة شكري مصطفى، الذي تحول إلى الفكر الراديكالي داخل السجون المصرية خلال سجنه في الفترة بين عامي 1965 و1971. وقد نُفّذ حكم الإعدام في مصطفى في عام 1977 بعد أن اغتالت الجماعة وزير الأوقاف الأسبق محمد الذهبي. في ذلك الحين كانت الجماعة قد أُجبرت إلى حد كبير على العمل سرًّا.

لكن سقوط مبارك في العام 2011 آذن بظهور كيان جديد يسمي نفسه التكفير والهجرة، وذلك في شبه جزيرة سيناء. وفيما عدا اعتناقها أيديولوجيا التكفير والهجرة وتكتيكاتها، لا يبدو أن لهذه الجماعة أي صلات جوهرية بجماعة التكفير والهجرة التي تعود إلى سبعينات القرن الماضي.

وعلى الرغم من بعض الشواهد المحدودة التي تُشير إلى وجود “شبكات” تكفير وهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا طوال الفترة التي أعقبت عام 1997، لا توجد شواهد تدل على ما هو أكثر من العلاقة الاسمية بين هذه الجماعات والجماعة السابقة أو اللاحقة على السواء العاملة في مصر.

وبعد أن كانت تسمى في البداية جماعة المسلمين، بدأت وسائل الإعلام تشير إليها باسم التكفير والهجرة؛ نظرا لاعتقاد الجماعة بأن الجهاد ليس ممكنا في عالمنا اليوم، وبالتالي فعلى الأعضاء أن يعتزلوا المجتمع بدنيًّا وروحيًّا.

الجماعة ترغب في تدمير الأمم وإقامة “خلافة إسلامية” وقد أثنت علانية على القاعدة وزعيمها السابق أسامة بن لادن

وتتمسك الجماعة بتفسير شديد للتطرف وتنسبه إلى تعاليم سيد قطب. كما ينسب هذا التفسير الردة إلى معظم من هم ليسوا أعضاء في الجماعة، بما في ذلك كل قيادات الدولة الذين لا يحكمون وفقًا لتفسير شديد الصرامة لأحكام الشريعة الإسلامية، وأي أشخاص يخضعون لحكم هؤلاء القادة، وبالتالي هم متواطئون في علاقتهم، وأي قيادة دينية لا تنعت هؤلاء القادة بالمرتدين.

☚ جند الإسلام:

كانت جماعة جند الإسلام مجهولة إلى حدٍّ كبير قبل عام 2011، لكنها بدأت في الظهور بعد أن نفّذت عرضا عسكريًّا يوم وفاة أسامة بن لادن في مايو من ذلك العام.وحسب تصريحات خبير مكافحة الإرهاب ماهر فرغلي، تملك جماعة جُند الإسلام أسلحة متطورة، من ضمنها قذائف آر بي جي وصواريخ مضادة للطائرات. وفي 11 سبتمبر 2013، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم كبير وقع على مبنى تابع للاستخبارات الحربية في مدينة رفح.

وفي بيان أعلنت فيه مسؤوليتها عن الهجوم؛ شجبت جماعة جند الإسلام الجيش المصري باعتباره خائنا للإسلام، وحمّلته مسؤولية الجرائم التي تُرتكب وتصب في مصلحة “اليهود”.

وعلى الرغم من أن هذا البيان كان هو الإعلان الرسمي الوحيد عن وجود جماعة جند الإسلام، يظهر من توقيت العرض العسكري ويتبيّن من الهجوم الذي وقع على مبنى الاستخبارات الحربية وجود ولاء للقاعدة على الأقل. وقد أسفر الهجوم الذي وقع على مبنى الاستخبارات في رفح عن مقتل 6 أشخاص، وإصابة 17 آخرين، من ضمنهم 7 مدنيين.

☚ أجناد مصر:

هي الجماعة الإرهابية الوحيدة التي تمارس نشاطها حصريًّا في منطقة القاهرة الكبرى، حيث تعتمد الجماعة نمطيًّا على استخدام الأسلحة بدائية الصنع، مثل العبوات الناسفة محلية الصنع في تنفيذ هجماتها. وفي 23 يناير 2014، أعلنت الجماعة عن وجودها في تغريدة على “تويتر” قالت فيها “بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين”. وفي اليوم التالي، أصدرت الجماعة أول بيان لها أعلنت فيه مسؤوليتها عن العديد من الهجمات التي وقع أولها في وقت سابق يعود إلى 20 نوفمبر 2013، واستهلت حملة إعلامية تحت شعار “القصاص حياة”، روّجت لها كـ”هاشتاغ على تويتر”. ومنذ ذلك الوقت ظلت جماعة أجناد مصر الجماعة الإرهابية الأكثر نشاطا خارج حدود شبه جزيرة سيناء.

وتختلف جماعة أجناد مصر عن الجماعات الإرهابية الأخرى العاملة في مصر، من حيث عدم إصرارها إصرارا كاملا على إقامة خلافة إسلامية؛ حيث تعترف أجناد مصر بشرعية مصر كأمة قائمة بذاتها (تمييزا لها عن مفهوم الأمة الإسلامية). كما توظف الجماعة أيضا شعارات ثورة 25 يناير 2011، حيث تأسى على عدم تحقيق “أهداف الثورة”.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف؛ تبنت الجماعةُ لغةً في بياناتها تضعها في صف الأيديولوجيا السلفية الجهادية. وعلى النقيض من الجماعات الجهادية الأخرى (لاسيما الجماعات التي تنتمي إلى تنظيم القاعدة)، تُبدي جماعةُ أجناد مصر تعاطفا حيال المدنيين، حتى من يعارض الجماعة منهم. وتوجّه أجناد مصر أعمالها العدائية نحو رجال الدولة، وعلى الرغم من أن العديد من الأعمال الإرهابية التي أعلنت مسؤوليتها عنها أسفرت عن خسائر في أرواح المدنيين، تزعم الجماعة أنها تتفادى هذا بأي ثمن. وتستهدف الجماعة على وجه التحديد أفرادا تراهم مذنبين، ومن ضمن هؤلاء العميد أحمد زكي، الذي قُتل في هجوم وقع في 23 أبريل 2014، والذي أدانته الجماعة لتواطئه في اعتقال شباب مصريين وتعذيبهم. وقد أعلنت جماعة أجناد مصر مسؤوليتها عن 15 هجوما على الأقل وقعت في القاهرة الكبرى.

مجابهة الإرهاب تستوجب الإحاطة بأدق التفاصيل التنظيمية والفكرية

☚ أنصار بيت المقدس:

تمارس الجماعة نشاطها نمطيًّا في شمال سيناء وقد أعلنت مسؤوليتها عن هجمات وقعت في القاهرة الكبرى ومحافظتَيِ الدقهلية والإسماعيلية. ويُعتقد أن للجماعة خلايا منتشرة في كل أنحاء مصر.

ووفقًا للتقارير الاستخباراتية، يُعتقد أن الجماعة تضم نحو ألف عضو، ربما سبق لكثير منهم العمل في جماعات جهادية أخرى فيما مضى. وتُعد واحدة من أقوى الجماعات الجهادية وأفضلها تنسيقًا في مصر، وتوجد بحوزتها أسلحة متطورة، من ضمنها أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف وقنابل صاروخية (آر بي جي) وصواريخ غراد.

ويبدو أن الجماعة اكتسبت منذ تشكيلها -الذي يُفترض أنه تم في وقت ما من عام 2011- دعما في شبه جزيرة سيناء، وهو ما يبدو أنه يبث الحياة في الخلايا الجهادية التي تم تحييدها من خلال الحملات السابقة التي نُفّذت في سيناء. وقد تبين هذا من خلال قيادة الجماعة التي تضم في أعضائها الكثير من المقاتلين المخضرمين الذين سبق لهم التحالف من قبل مع الجماعات الجهادية الأخرى، لاسيما التوحيد والجهاد، ومجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس.

وتتقرب جماعة أنصار بيت المقدس إلى السكان المحليين، داعية إياهم إلى الوقوف بجانبها في حربها ضد الدولة. وفي حملة جرت مؤخرا، أشارت التقارير إلى أن الجـماعة قامت بتوزيع منشـورات على السـكان المحلييـن (الذيـن يتعرضـون للتهميش) قـالت فيه “إن لم تكونوا معنا فلا تكونوا ضدنا”. كما قالت الجماعة عن نفسها، في بيان لها صدر مؤخرا “نحن أبناؤكم المجاهدون في سبيل الله، ومن أبناء هذه البلاد.. فربما نكون جيرانكم أو أقاربكم”.

6