سيناء وصفقة القرن تحركات مصرية لتبديد هواجس إقليمية

الحكومة المصرية تتعامل مع التسريبات المتتالية لصفقة القرن بقدر كبير من التريث والحذر وترفض المعلومات المتداولة عنها، ولا تساير مقاطعة الفعاليات التي تتم بشأنها في البحرين.
الأربعاء 2019/06/26
رفض قاطع لصفقة القرن يتجاوز حدود الفلسطينيين

أدى الغموض الذي يكتنف الكثير من تفاصيل ما يعرف بـ”صفقة القرن” أو “فرصة القرن” على حد قول جاريد كوشنير مستشار الرئيس الأميركي، إلى رفض قاطع لها يتجاوز حدود الفلسطينيين.

ووصل الأمر إلى المصريين الذين قلقوا من الزج بسيناء في صفقة يعتبرونها مشبوهة. وبعد تكذيب فكرة اقتطاع جزء منها وضمه إلى قطاع غزة، عاد شبحها يطل برأسه عبر الحديث عن توجيه نحو 9 مليارات دولار للاستثمار الأجنبي في هذه المنطقة.

لدى مصر حساسية مفرطة عند الكلام عن تنازلات في الأرض لأي سبب من الأسباب. وهناك محطات فاصلة في هذه القضية تؤكد وجود صعوبة متناهية في تميرها. فعندما انسحبت إسرائيل من سيناء بعد احتلالها احتفظت لنفسها بمنطقة طابا والتي لا تتجاوز مساحتها كيلو مترا. ويومها خاضت القاهرة معركة قانونية دولية استردت بموجبها طابا، ما ترك انطباعات إيجابية في ذاكرة المصريين لم تبارح عقولهم.

وتجدد حديث التنازلات مع الإعلان منذ حوالي عامين عن عودة جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية، واجتهدت الحكومة في تأكيد أنها أعادت إلى الرياض أرضا كانت بحوزتها لعقود طويلة. ومع ذلك لا تزال هذه المسألة محفورة في أذهان شريحة من المواطنين على أنها تعني التنازل، ولم تفلح القاهرة في تسويق رؤيتها وأنها أعادت أرضا لأصحابها، وبدا تجميد الموقف كحل توافقي مرضي حتى الآن، يتوقف تصعيده وتسكينه على حرارة العلاقات السياسية بين مصر والسعودية.

مصر والأردن ولبنان تشترك في رفض فكرة تسوية القضية الفلسطينية من دون التوصل إلى اتفاق حول صيغة مناسبة على أساس حل الدولتين، ولا تقبل مناقشات واضحة للتسوية عن طريق التوطين

وتكشف قضية الأرض، وما يصاحبها من إشارات متباينة حول توطين فلسطينيين في سيناء، عن عمق الحرج الذي تواجهه الحكومة المصرية، فهناك حزمة مشروعات اقتصادية يتم الترويج لها، ستحظى كل من الأردن ولبنان ومصر بنسبة كبيرة منها.

وتشترك الدول الثلاث في رفض فكرة تسوية القضية الفلسطينية من دون التوصل إلى اتفاق حول صيغة مناسبة على أساس حل الدولتين، ولا تقبل مناقشات واضحة للتسوية عن طريق التوطين، وتتفق هذه الدول على أن الحل النهائي لن يأتي دون موافقة الفلسطينيين أنفسهم.

تمسك بالثوابت الفلسطينية

تتعامل الحكومة المصرية مع التسريبات المتتالية لصفقة القرن بقدر كبير من التريث والحذر. وترفض المعلومات المتداولة عنها، ولا تساير مقاطعة الفعاليات التي تتم بشأنها في البحرين. وأعلنت تمسّكها بالقوانين الدولية التي تضمن حلا فلسطينيا على حدود 4 يونيو 1967، البعيد عن المكونات النهائية للصفقة. وبررت القاهرة إرسال وفد محدود لحضور مؤتمر البحرين الاقتصادي للاطلاع على الحوارات عن كثب، ولم تؤيد أو ترفض المقاطعة الفلسطينية له.

تريد مصر جني ثمار كبيرة من المشروعات الإقليمية، وتبدي مرونة عالية في التعاطي معها، في إطار رغبتها في تعزيز الأمن والسلام بالمنطقة، لكنها تسير بالتوازي مع ذلك في تدعيم قدراتها العسكرية، بما يعني أنها لا تثق كثيرا في نجاح هذه المشروعات ووصولها إلى غاياتها في منطقة تعج بالخلافات والصراعات.

وتدرك القاهرة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد تسوية عملية للقضية الفلسطينية من الباب الاقتصادي الفضفاض، لأنه يفهم في المساومات والصفقات، كما أن انسداد الأفق السياسي يعرقل منح أولوية له في الوقت الراهن. ووسط هذا الخضم يعد الرئيس الأميركي حليفا مهما للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب.

رفض فكرة تسوية القضية الفلسطينية من دون التوصل إلى اتفاق حول صيغة مناسبة على أساس حل الدولتين
رفض فكرة تسوية القضية الفلسطينية من دون التوصل إلى اتفاق حول صيغة مناسبة لحل الدولتين

وظهر الأول متوافقا مع الثاني في كثير من الحسابات الإقليمية المتعلقة بهذا الملف، ويسانده في غالبية التحركات التي تستهدف المتطرفين، ويمثل بالنسبة له حليفا مهما على هذا المستوى. وساعد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مرات عدة في تخفيف حدة الضغوط التي تتعرض لها بلاده في قضايا الحريات وحقوق الإنسان من خلال عدم الانسياق وراء خطابات تحريضية تتهم الحكومة بارتكاب تجاوزات في حق المعارضين.

وتؤكد المعطيات المتوافرة أن القاهرة تتبع سياسة الأداتين في كثير من تحركاتها الخارجية، وتبتعد معظم خطواتها عن التكثيف على منبر واحد أو مصدر واحد في العلاقات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، كي لا تكون رهينة لتوجهات يمكن أن تتغير في أي لحظة. وتحرص على الانفتاح على قضايا ومواقف وجهات متعددة، لأن السيولة التي تخيم على الجميع تحتم على أي دولة عاقلة عدم تبني رؤية أحادية.

هذه واحدة من المفاتيح التي تفسر جانبا من أسرار التصرفات المصرية، التي تبدو كأنها متناقضة أو مرتبكة، بينما هي تمنح فرصة للنظام الحاكم لالتقاط الأنفاس وتثبيت الأركان وتطوير الأدوات على الصعيدين الداخلي والخارجي. وظهرت تجليات هذه السياسة في آليات التعامل مع “صفقة القرن” المثيرة، والتي يمكن أن يكتب لها الفشل أو النجاح.

بين الفشل والنجاح

في كل الأحوال، ثمة مكاسب سياسية واقتصادية ستحققها القاهرة. فإذا حدث الفشل توجد قائمة طويلة من التصريحات التي تؤكد أن مصر غير منخرطة في تشجيع الصفقة، بل هناك ما يؤكد أنها متحفظة عليها ورافضة لها. وإذا حدث العكس، وأصبح الشق الاقتصادي له فرصة جيدة للنجاح في ظل تعاظم الاتجاه نحو تطوير العلاقات الإقليمية ستجني القاهرة ثمارا جيدة، لأنها من الصعوبة أن تتخلف عن كل تطورات مفيدة في هذا الاتجاه.

وتوجد قائمة من الإجراءات المصرية تفسر التجاوب مع الشق الاقتصادي لصفقة القرن. فهي تتضمن مشروعات للتنمية والاستثمار في سيناء. وليس صدفة أن تتزامن هذه المكونات مع خطوات حثيثة تقوم بها الحكومة لتدشين مشروعات تنموية واعدة في سيناء. علاوة على الحديث عن توطين مئات الملايين من المواطنين هناك، وتوفير مقومات للسكن والاستقرار عقب الانتهاء من دحر الجماعات الإرهابية في سيناء، والتي مكنت الحكومة من تخطي الحواجز الأمنية التي وضعتها اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل، وإدخال آليات عسكرية
ثقيلة كان محرما عليها الوصول إلى المنطقة (ج) في سيناء، القريبة من إسرائيل. ناهيك عن كلام سابق بشأن ارتباط استرداد جزيرتي تيران وصنافير بترتيبات لمشروعات إقليمية مؤجلة، ستغير وجه المنطقة، وتلعب فيها السعودية دورا محوريا يتماشى أيضا مع تدشين مشروع “نيوم” الاستراتيجي، الذي قد لا يخلو من أبعاد اقتصادية تتجاوز حدود التعاون التقليدي بين مصر والسعودية.

وتقود قائمة طويلة من المؤشرات إلى أن تنمية سيناء والمشروعات التي تتبناها الحكومة المصرية ربما تلتقي في نهاية النفق مع ما تحمله صفقة القرن من تعاون اقتصادي، بصرف النظر عن الملامح السياسية التالية، والتي يرى جاريد كوشنير أن دورها قادم لا محالة، عندما تكون البيئة مهيأة ويحمل الشق الاستثماري بذورا قوية للنجاح، ويخلق أمرا واقعا جديدا يشجع الآخرين على الانخراط فيه.

ألغاز التوطين

تتحاشى خطة كوشنير الإشارة إلى التوطين مباشرة، لأن الرجل اكتسب خبرة على مدار عام أثقلته وجعلته ينتقي ألفاظه بصورة أكثر حنكة، ويتغلب عن فقره في المعلومات والتقديرات السياسية ويتجه للتركيز على الأبعاد الاقتصادية التي يملك فيها خبرة جيدة، ويراهن على النجاح لتصبح مدخلا للأبعاد السياسية.

لم تُظهر مصر والأردن ولبنان امتعاضا من الجزء الاستثماري في الخطة، ولم يتم التقاط إشارات رفض حول المليارات التي قيل إنه سوف يتم ضخها في الدول الثلاث السنوات المقبلة، ولم يسأل أحد عن طبيعة المستفيدين منها، فمن غير المنطقي أن تضخ أي دولة أموالا كثيرة في مشروعات داخل دولة أخرى من دون أن تكون هناك استفادة.

توجد قائمة من الإجراءات المصرية تفسر التجاوب مع الشق الاقتصادي لصفقة القرن التي تتضمن مشروعات للتنمية والاستثمار في سيناء

ويجد المراقب للتطورات أن الأردن ولبنان من أكثر الدول استيعابا للفلسطينيين، ولا توجد إحصائيات دقيقة لأعدادهم، لكن المؤكد أن غالبيتهم مكثوا واستقروا في البلدين ولا يريدون العودة، والتي باتت فرصتها في الأراضي الفلسطينية شبه معدومة على المدى المنظور، في ظل المعالم الإقليمية والدولية التي تنتصر لرؤية إسرائيل. بالتالي من المهم خلق فرص عمل لهم وتحسين أحوالهم المعيشية.

ويبدو الأمر مختلفا بالنسبة لسيناء، فلا مصر تقبل باقتطاع جزء منها، ولا الصفقة أشارت من قريب أو بعيد إلى ذلك، كما تروج بعض الجهات، وعلى العكس نفى كوشنير تضمينها لأي خارطة بهذا المعنى. ولا يبقى سوى الاجتهاد في جزء التوطين، الأمر الذي نفته تصريحات مصرية كثيرة وبحسم.

لن يصبح التوطين بالصورة المتعارف عليها، بمعنى لن يتم نقل سكان من قطاع غزة إلى سيناء قسرا، لكن سيتم توفير مغريات وعناصر جذب اقتصادية متباينة تدفع أبناء جنسيات عربية وغير عربية للاستثمار في سيناء، بما يفتح فرص عمل لمصريين وفلسطينيين، ويتم تعمير هذه المنطقة وفقا لرؤية القاهرة، التي قدمت حكومتها قانونا للبرلمان مؤخرا يشجع على شراء الجنسية المصرية نظير مبلغ مادي كبير، وهو ما يلتقي مع جانب من الشق الاقتصادي لصفقة القرن.

اللغم السياسي

الشق السياسي في القضية يبقى هو اللغم الكبير الذي ربما ينفجر في وجه الحكومة
الشق السياسي في القضية يبقى هو اللغم الكبير الذي ربما ينفجر في وجه الحكومة

يبقى الشق السياسي في القضية هو اللغم الكبير الذي ربما ينفجر في وجه الحكومة في أي لحظة إذا حادت عن الثوابت التاريخية في مصر، وهو ما تحسبت له القاهرة مسبقا بالإعلان مرارا عن التمسك بوحدة سيناء وتنظيفها من الإرهابيين واستيعاد الملايين من المواطنين، والعزف على وتر كلمات تحمل نفحات تتماشى مع عقيدة المؤسسة العسكرية في الأهمية الاستراتيجية لسيناء، والتشديد على أن إسرائيل لا تزال خصما خطيرا.

وتصاعد فجأة الخطاب الفني في بعض الأعمال الدرامية، مثل مسلسل “كلبش 3” والفيلم السينمائي “الممر”، باتجاه إسرائيل، في محاولة ترمي إلى استعادة صورة ذهنية تؤكد أنها العدو الأزلي لمصر في المنطقة، كمحاولة لدحض ما يترامى للمواطنين من تقديرات متناثرة بشأن التعاون معها والدخول في صفقات إقليمية أو تقديم تنازلات مصرية.

سواء كان المقصود بهذه الأعمال استرداد شكل تاريخي براق أو التغطية اضطرارا على تصرفات سياسية، فالمصريون لديهم يقين بعدم التفريط في حبة رمل واحدة، لأنها كفيلة لهز مكانة أي حاكم، لكن قد تكون للحكومة حسابات أخرى لا تستطيع التخلف عنها في هذه المرحلة الدقيقة.

لذلك لا تبارح القاهرة الاستعانة بسلاح الأداتين، فهي مع التعاون لأقصى مدى وفي نفس الوقت مستعدة للحرب عند الضرورة. وقد تحدث مفاجآت في المنطقة أو لدى البيت الأبيض، تقلب الطاولة على رأس الاجتهاد الأميركي، وتكون القاهرة حققت أهدافها في حماية سيناء أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وبالطريقة التي تخطط لها.

7