سيناريست ليبي لا يرى فرقا في الكتابة للسينما أو التلفزيون

الروائي والسيناريست الليبي سراج هويدي لا يفرّق بين الدراما والسينما، ويرى أنهما "عملية متكاملة، تبدأ بالنص مرورا بالإخراج والإنتاج وصولا إلى الممثل".
الخميس 2018/08/16
"روبيك" صور ليبيا المفككة

قدّم سراج هويدي العديد من الأعمال الدرامية التي حقّقت نسبة مشاهدة عالية في ظل دراما ليبية متعثرة لم تستطع بناء علاقة وثيقة بالمشاهد سوى في الموسم الرمضاني فقط. “العرب” التقت الروائي والسيناريست الليبي الشاب فكان هذا الحوار عن الكتابة للرواية وللدراما والفرق بينهما، وهو الذي لا يجد في المقابل أي فرق بين الكتابة للتلفزيون أو الشاشة الكبيرة.

يعدّ سراج هويدي (34 عاما) واحدا من أهم كتاب السيناريوهات في ليبيا، سواء الموجهة منها للدراما التلفزيونية أو للسينما، وهو الذي كتب للدراما سيتكوم “ليبيات” بأجزائه الأربعة، ومسلسلات “فوبيا” و”دراجنوف” بجزأيه، و”عياد” و”روبيك” وفيلمي “العشوائي” و”الكابو”.

ولا يفرّق الروائي والسيناريست الليبي الشاب بين الدراما والسينما، ويرى أنهما “عملية متكاملة، تبدأ بالنص مرورا بالإخراج والإنتاج وصولا إلى الممثل”، مضيفا في حواره لـ”العرب” “بالمختصر العمل الجيد هو الذي يحوي قصة مشوقة مشفوعة بجودة صورة وأداء احترافي من الممثلين”.

مسلسل ورواية

يقول سراج هويدي إن روايته الأولى “روبيك” مختلفة عن المسلسل “روبيك” من حيث الأحداث التي سيكتشفها القارئ مع آخر سطور الرواية، ويضيف “الدراما والسينما مهما كان إبداع الكاتب فيهما تظل لغة بصرية وهي لعبة جماعية يتناوب فيها المخرج والكاتب والممثل وحتى المنتج على ركل الكرة، بينما الرواية ملعب خاص وحصري للكاتب لا ينافسه فيه أحد”.

مؤكدا “في الرواية مساحات أكبر لا يستطيع السيناريو أن يصل إليها، السيناريو يصف الحركة والحوار، ولكن لا يستطيع أن يصف الرائحة مثلا، بينما في الرواية يلعب الوصف دوره ويستطيع أن يصف لك كل ما يحيط بالشخصيات من أشياء مادية ملموسة وغير ملموسة”.

سراج هويدي يفضل في الدراما التي يكتبها أن يمزج بين الواقع والخيال والتراجيديا والكوميديا
سراج هويدي يفضل في الدراما التي يكتبها أن يمزج بين الواقع والخيال والتراجيديا والكوميديا

وفي مسلسل “روبيك” رصد هويدي ظاهرة الاغتيال والخطف والفساد والجماعات المسلحة، وهنا نسأله هل من مهام الدراما تسليط الضوء على الجوانب الخفية من الحياة، فقال “بالمجمل ليس بالضرورة أن يسلّط كل عمل درامي الضوء على ما يحدث في الواقع، الدراما أنواع عديدة منها الواقعي ومنها الخيالي ومنها ما يمزج بينهما وأنا أفضّل النوع الأخير، أحبذ أن تكون أعمالي مزيجا من كل شيء، الواقع والخيال والتراجيديا والكوميديا، الحب والأكشن، الغموض والوضوح.. هي متضادات ترفع من حس المتعة لدى المشاهد”.

وفي “روبيك” سلّط هويدي الضوء بكل جرأة على فساد الميليشيات المسلحة وعلاقتها بالسلطة القائمة، وهو أمر قد يكون واقعيا، لكن السيناريست الشاب أضفى على الحبكة من خياله، وهذا المزيج من المشاعر المختلطة والمختلفة التي قدّمها في وجبة واحدة، يراها أساس المتعة الدرامية.

وأوضح صاحب مسلسل “فوبيا” أن الدراما الحديثة تجاوزت مسألة الأبيض والأسود تماما، أي مسألة أن تكون شخصيات العمل الدرامي إما طيّبة وإما شريرة بالكامل، تجاوزها الزمن. مُعتبرا أن الواقع يقرّ بأن غالبية البشر حمّالون للنقيضين، ويقول موضحا “في كل إنسان منا يكمن الخير والشر، ولكن بنسب متفاوتة، وفي الأعمال الدرامية التي قمت بتأليفها حاولت قدر الإمكان الابتعاد عن رسم شخصيات بيضاء أو سوداء بالكامل، في ‘روبيك’ كانت كل شخصية تحمل النقيضين، الخير والشر، ولكن بنسب متفاوتة، سواء كانت شخصيات رجالية أو نسائية، وإذا كنت متهما بأنني صوّرت الشخصيات النسائية في المسلسل بشكل سلبي، فالأمر ينطبق أيضا على الشخصيات الرجالية”.

ويضيف مُتسائلا “لينظر كل منا حوله، هل هناك شخصية مثالية وطيّبة بالكامل دون أخطاء أو انغماس في الملذات والأهواء الشخصية؟ لا أعتقد ذلك”. ويرى صاحب فيلم” الكابو” أنه لا توجد صناعة حقيقية للدراما في ليبيا وكل الأعمال الليبية التي شدّت انتباه المشاهد أو تلك التي وصلت إلى قنوات عربية هي محاولات فردية غير مبنية على صناعة حقيقية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتطور أي مجال دون أن يكون معتمدا على صناعة حقيقية ومبنيا على أسس سليمة، ويضيف “الصناعة الدرامية الحقيقية تقوم على مثلث لا غنى لكل ضلع فيه عن الآخر: المنتج الحقيقي والقناة المحترفة والمعلن الجاد، وهذا المثلث هو الذي يخلق الصناعة الدرامية، وبهذه الطريقة المنتج الحقيقي مجبر على البحث عن نص ممتاز لتحويله إلى عمل درامي حقيقي، والقناة المحترفة ستبحث عن العمل الدرامي المميّز لعرضه على شاشتها حتى تجذب به أكبر نسبة من الإعلانات من المعلنين الجادين، وبذلك نضمن الجودة ويخرج الجميع فائزا”.

وعن مدى جودة ما يقدّم من أفلام روائية بمجهودات فنانين شباب كخطوة أولى نحو سينما ليبية، يوضح هويدي “نحن لم نخطو ربع خطوة حتى الآن، هي محاولات فردية، السينما صناعة ونحن في ليبيا لا نمتلك حتى كاميرات سينمائية وهذا أمر مخجل الحقيقة، ليبيا من دون بقية الأمم لا توجد فيها إنتاجات سينمائية ولا تمتلك دُور سينما، نحن نعيش في العصر الجوراسي، هل بقيت دولة واحدة في العالم ليس بها دور سينما؟”.

دراما فقيرة

يتساءل سراج هويدي مرة أخرى “كيف يمكن أن نبني جيلا مثقفا وواعيا دون مسرح وسينما ودراما؟ هذا أمر مخجل”، ويستشهد بفيلمه “العشوائي” الذي حقّق من خلاله ثلاث جوائز دولية وشارك به في 21 مهرجان عالمي ولم يتلقَ أي دعم من الدولة.

ويقول “كنا نسافر على حسابنا الشخصي رغم أننا كنا نشرّف البلاد، بينما نرى الملايين تصرف مثلا على فرق كرة القدم دون أن تحقّق أي إنجاز للبلاد! أو على تجهيز مكاتب المسؤولين دون أي تحسن يذكر في حياة المواطن!”.

السيناريست الليبي يرى في النقد ظاهرة صحية، والعمل الذي لا يحدث أي ردود فعل هو عمل فاشل بالضرورة

وعن سقف الحريات في ليبيا اليوم، يقول “المشكلة لا تكمن في سقف الحريات، بل في نظرة المواطن الليبي للاختلاف، من الحقائق المؤلمة التي اكتشفناها بعد ثورة 17 فبراير، أننا شعب لا يحترم ولا يحبذ الاختلاف، وهذا أمر تجاوزته معظم الأمم، لا يعقل أننا في سنة 2018، ولازلنا ننظر لكل من يختلف معنا في الرأي أنه عدو ويجب القضاء عليه! هناك من هو مستعد لمعاداتك فقط، لأنك تختلف عنه في تشجيع فريق كرة قدم مثلا! وهنا يكمن دور الفن في تغيير هذه العقلية”.

ويشدّد “يجب أن نعلم أننا مختلفون وهذا الاختلاف ليس مضرا، على العكس هو ما أوصل الأمم الغربية إلى التطور الذي وصلت إليه اليوم، العقل الجمعي هو أكبر عدو نواجهه كمبدعين في هذه البلاد، أما سقف الحريات فهو هلامي. لا توجد طريقة لمعرفة حدوده قد ينكمش أحيانا وقد يتمدّد في أحيان أخرى!”.

وعن علاقته بالنقد ومدى تقبّله له، يقول هويدي “النقد ظاهرة صحية، والعمل الذي لا يحدث أي ردود فعل هو عمل فاشل، هناك العشرات من الأعمال التي تعرض في القنوات الليبية كل عام وتمر مرور الكرام ولا تحدث أي ردود أفعال سواء بالسلب أو الإيجاب”.

وواجه سراج هويدي كغيره من الكتاب الليبيين النقد في مرحلة اتسمت ولا تزال بالضبابية، إذ يقول “عموما عملي الوحيد الذي وُوجه بالنقد الشديد كان مسلسل ‘دراجنوف’ في حلقاته الأولى، ثم اختلف الأمر بعد مرور 4 حلقات من عرضه، حيث اكتسب شعبية ضخمة”.

16