سيناريوهات الصراع الغربي مع روسيا

السبت 2014/07/26

تميل التحقيقات المستمرة بشأن إسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق مناطق الانفصاليين الأوكرانيين، إلى تأكيد مسؤولية هؤلاء عن المأساة الإنسانية التي راح ضحيتها 298 راكبا مدنيا. وذلك على الرغم من نفي موسكو لتلك «الادعاءات»، وعقد مؤتمرات صحفية تستخدم خرائط وصور لتشير إلى ضلوع الجيش الأوكراني في إسقاط الطائرة الماليزية، بما يعيد للذاكرة العروض الإعلامية المبتذلة للنظام السوري التي تحاول اختلاق قصص مفضوحة تشوه الواقع.

من بين التأكيدات عن تورط حلفاء موسكو في الكارثة، الحديث الذي جرى عن التقاط مكالمات بين الانفصاليين مباشرة بعد إسقاطهم للطائرة، تبين دهشتهم وفزعهم بعد معرفتهم أن الطائرة التي جرى إسقاطها هي طائرة ركاب مدنية، وليست طائرة حربية تابعة للجيش الأوكراني كما ظنوا لحظة استهدافها.

كما جرت الإشارة إلى الأخبار التي بثتها مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للمتمردين في أعقاب سقوط الطائرة مباشرة، والتي أكدت استهداف طائرة حربية أوكرانية وإسقاطها، وقد جرى حذف تلك الأخبار بعد نحو ساعة من نشرها. من هذا المنطلق تأتي الترجيحات الأميركية بأن الاستهداف جاء «عن طريق الخطأ».

وفي حقيقة الأمر، لا يهم أميركا، على الإطلاق، إثبات أن إسقاط الطائرة كان عملا متعمدا، بقدر أهمية تأكيد تورط الانفصاليين بصورة ما، وتحميل روسيا، الداعم والمحرك الرئيسي، المسؤولية المباشرة، وخصوصا مع الدعم العسكري والتقني الذي مكن الانفصاليين من إسقاط الطائرة.

لقد بدا واضحا أن الغرب استغل الحادث لتوجيه الاتهام إلى روسيا مباشرة، فصدر قرار توسيع العقوبات مباشرة بعد يوم أو يومين على سقوط الطائرة. كان ذلك ليعطي مبررات إضافية لتوسيع العقوبات، رغم كونها لا تشكل أكثر من امتداد كمي للعقوبات السابقة، إذ لم تشهد زيادة نوعية أو نقلة في مستويات تأثيرها على روسيا. وإذ يشير ذلك إلى زيادة حدة التوتر والصدام مع روسيا، لكنه يكشف أيضا عن مراهنة أميركية أوروبية لا تزال معقودة على حل سلمي ينهي تمرد الانفصاليين المدعوم من روسيا من دون تصعيد كبير مع تلك الأخيرة.

سياسة عدم التصعيد مع روسيا تجد تأييدا معقولا من قبل عدد كبير من الدول الأوروبية. وعلى غرار الضغط الداخلي على إدارة الرئيس باراك أوباما في الأزمة السورية، والذي كان يمنعها من التدخل المباشر في «حرب أهلية» لا تلبي أي مصلحة مباشرة للولايات المتحدة، برزت آراء داخلية تدعو الدول الأوروبية إلى تجنب التدخل المباشر في الأزمة الأوكرانية، طالما أنها هي الأخرى أقرب إلى «حرب أهلية» بين الأوكرانيين أنفسهم.

هكذا، يدعو جناح «العقلانيين» في أوروبا حكوماتهم إلى الاكتفاء بمراقبة حذرة لتطورات الأوضاع في أوكرانيا، ولا ضير من عقوبات اقتصادية ضعيفة الأثر على روسيا، شريان الطاقة الرئيسي لعدد كبير من الدول الأوروبية، لكي لا تقابلها موسكو بعقوبات أقسى تفتح الباب على صراع مدمر لكلا الطرفين. وتسير معظم الدول الأوروبية على هذا المسار، ويؤكد ذلك ما كشفته صحف أجنبية عن استمرار صفقات بيع السلاح التي عقدتها كل من فرنسا وبريطانيا سابقا مع موسكو، إذ لا يعتزم أي من البلدين التراجع عنها.

لكن، ومع إسقاط الطائرة الماليزية برز رأي «الصقور» في أوروبا، وينطلق هذا الرأي من أن خطر النزاع الأوكراني ليس محصورا في أوكرانيا، بل إنه يطال أوروبا بصورة مباشرة. خصوصاً وأن المتمردين لا يبدون سلوكا مسؤولا ومنضبطا، رغم سيطرة روسيا إلى حد ما على كل تفاصيل عملهم.

لكن الانفصاليين يتألفون من مجموعات غير متجانسة وقليلة الانضباط من «الفئات القذرة» للسكان المحليين، وتشير تقارير إلى أن نسبة الفارين من أجهزة الأمن وأصحاب السوابق الجنائية كبيرة جدا بين صفوفهم. ما يعني أن رعونتهم في إسقاط الطائرة الماليزية قد تتكرر بصور مختلفة.

من هذا المنطلق، يمكن أن يتقدم رأي «الصقور»، ليجد مكانه في سياسات أوروبا وأميركا القادمة. ولكن، كيف يمكن لهذا الرأي أن يترجم على أرض الواقع؟

في أحد السيناريوهات، يمكن أن يجري تضييق الخناق على موسكو، عبر تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية، ونقلها إلى مستويات أعلى وغير مسبوقة. مع ما يمكن أن ينجم عن ذلك من مواجهة مباشرة مع موسكو، سوف تحلق إضراراً فادحة بكلا الطرفين من دون شك.

في سيناريو آخر يعتمد المواجهة غير المباشرة، قد تقوم أميركا وأوروبا بزيادة الدعم العسكري لحكومة كييف بمعدات حديثة وتدريب وتأهيل الجيش الأوكراني ليقوم بسحق التمرد واستعادة المناطق التي خرجت عن سيطرته بالقوة.

لكن روسيا تقدم للمتمردين كل ما يجعلهم يواصلون القتال، ويشمل ذلك تزويدهم، من دون تردد، بالصواريخ المضادة للطائرات، التي لطالما ترددت أميركا، على سبيل المثال، ولا تزال في تقديمها للمعارضة السورية، وكان من نتائجها المباشرة إسقاط الطائرة المدنية الماليزية، لكن أيضا إسقاط عدة طائرات حربية أوكرانية، آخرها طائرتان أسقطتا يوم الخميس.

الأرجح أن يقوم الرد الأميركي الأوروبي على مزيج من السيناريوهين. فطالما أن كلا منهما يحمل الكثير من المتاعب والصعوبات، يبقى من المناسب الخوض بهما معاً بمستويات معتدلة، وتبقي احتمالات التسوية والتصعيد مفتوحة.


كاتب فلسطيني سوري

8