سيناريوهات اندفاع السعودية للاستثمار في وادي السيليكون

شكوك في إمكانية تغيير الاقتصاد للتأقلم مع الطموحات، والرياض في سباق لتحقيق عوائد مرتفعة لتمويل التحول الاقتصادي.
السبت 2018/09/08
عين السعودية على وادي السيليكون

تسارعت خطوات السعودية للمراهنة على الاستثمار في التكنولوجيا لتحقيق عوائد كبيرة لتمويل عملية التحول الاقتصادي غير المسبوقة التي تخوضها، لكن محللين يقولون إن تلك المغامرة قد لا تكون بالسهولة التي تبدو عليها عند رسم الخطط.

الرياض - ليس جديدا أن تندفع دولة خليجية ثرية إلى استثمار مليارات الدولارات في مشاريع خارجية، وقد حدث ذلك في معظم الدول المجاورة، لكن السعودية تبدو عازمة على الاستثمار في خيارات مختلفة.

معظم مشاريع الدول الخليجية هدأت نسبيا في السنوات الأخيرة، في وقت تحاول فيه السعودية، التي كانت خطواتها تتسم بالحذر الشديد، اللحاق بجيرانها في فورة استثمارية لم تشهدها من قبل.

وتقول صحيفة فايننشال تايمز إن توجهات الرياض الاستثمارية تبدو مختلفة عن الاستثمارات الخليجية مثل العقارات  والمؤسسات المالية ونوادي كرة القدم، رغم أن هناك حديثا عن سعيها لشراء أحد أندية الدوري الإنكليزي، إذ تسلط الرياض أنظارها إلى أحدث حلقات التكنولوجيا.

وتمتد استثمارات السعودية حاليا من 45 مليار دولار في صندوق رؤية سوفتبنك، الذي يستثمر في تكنولوجيا المستقبل إلى ملياري دولار في شركة تسلا لصناعة السيارات الكهربائية وصولا إلى 3.5 مليار دولار في تطبيق أوبر لنقل الركاب.

رولا خلف: التحول الاقتصادي في السعودية قد يستغرق جيلا كاملا على الأقل
رولا خلف: التحول الاقتصادي في السعودية قد يستغرق جيلا كاملا على الأقل

ويبدو أن أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم تسعى لتحقيق أعلى العوائد وتعزيز الأواصر مع شركات وادي السيليكون لرسم ملامح مستقبل الاقتصاد السعودي. ويرى محللون أن هذا المسعى يبدو منطقيا لكنه قد يكون صعب التحقيق.

وتبدو هذه الاستراتيجية منسجمة مع توجهات ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود خطط التحول الاقتصادي في إطار “رؤية المملكة 2030″ والتي تحتل بين حين وآخر عناوين الأخبار وتستقطب اهتمام شركات وادي السيليكون.

كما أن ضخ الاستثمارات في شركات التكنولوجيا يلقى ترحيبا من الشباب السعودي، الذين يمثلون غالبية سكان البلاد، وهم شريحة عالية الاستهلاك للخدمات الرقمية.

وتشير التقديرات إلى أن السعوديين يحمّلون فيديوهات على موقع يوتيوب بمعدل يزيد 3 مرات على الأميركيين، إضافة إلى أنهم من أكثف مستخدمي تويتر.

وتقول رولا خلف في مقال في فايننشال تايمز إنها يمكن أن تتخيل تحول إحدى بقاع السعودية إلى مركز للتكنولوجيا، بالطريقة التي بنت بها دبي مركزا ماليا دوليا، رغم شكوك في إمكانية تدفق الأجانب إليها لمزاولة نشاطات الابتكار.

وترجح أن يستغرق ذلك جيلا كاملا على الأقل قبل أن تسمح الظروف بنوع جديد من الاقتصاد. وتشير إلى أن السعودية رغم جهود تنويع الاقتصاد لا تزال تعتمد بشدة على عوائد النفط، في وقت لا يزال فيه نظام التعليم عالقا في الماضي وتحتاج قوانينها إلى إصلاح جذري، في حين يعتمد القطاع الخاص بشدة على الإنفاق الحكومي.

ويرى محللون أن تغيير كل تلك القواعد العميقة الراسخة في مؤسسات الدولة ونسيج المجتمع وبنية الاقتصاد لا يمكن أن يحدث بسهولة لأنها تقود معظم النشاط الاقتصادي ولا يمكن أن تتنازل عنه بسهولة.

ويكشف نشاط صندوق الاستثمارات العامة وهو الصندوق السيادي الرئيسي وأحد المحرّكات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، مدى تزايد مركزية النشاط الاقتصادي في البلاد، حيث يسيطر على العديد من الأصول المحلية الحكومية.

ورغم ثروة السعودية الكبيرة إلا أنها ليست مثل بقية جيرانها، فهي تضم عددا من السكان يزيد كثيرا على مجموع سكان الدول الخمس الأخرى، وتعاني أعداد كبيرة من سكان السعودية من الفقر والبطالة.

ويبلغ عدد سكان السعودية أكثر من 20 مليون مواطن، مقابل نحو 1.4 مليون مواطن في الإمارات. ويقل متوسط دخل الفرد فيها عن نصف مثيله في الإمارات، بل إنه يقل عن متوسط دخل الفرد في البحرين، التي تعد إحدى أفقر دولتين في الخليج.

وتشتد حاجة الشباب السعودي إلى الوظائف رغم الإجراءات الحكومية الكبيرة لتوفير فرص العمل عبر إصلاحات كبيرة لقوانين العمل وتشغيل الأجانب.

أبرز أسباب توجه الرياض للاستثمار في التكنولوجيا هو نقل المعرفة والخبرة الحديثة إلى السعودية
أبرز أسباب توجه الرياض للاستثمار في التكنولوجيا هو نقل المعرفة والخبرة الحديثة إلى السعودية

ومع ذلك، ارتفعت نسبة البطالة في شهر يوليو إلى نحو 12.9 بالمئة وفق البيانات الحكومية وهي مستويات قياسية. وتكشف البيانات أن المشكلة أكثر حدة بين الشباب، حيث تصل نسبة البطالة بينهم إلى حوالي 30 بالمئة.

أما النساء في السعودية فقد بدأن للتو بالخروج من الظل بعد إصلاحات كبيرة في القوانين ومبادرات لزيادة دورهن في الاقتصاد. وتم السماح لهن بقيادة السيارة منذ شهر يونيو الماضي، لكن العديد من الوظائف لا تزال بعيدة عن النساء.

وتقول رولا خلف نائبة رئيس تحرير صحيفة فايننشال تايمز إن الطموح الكبير الذي تسعى إليه السعودية ينطوي على بعض الحسنات.

وتضيف أن السعوديين كانوا يتساءلون على مدى سنوات طويلة من مراقبة جيرانهم مثل الإمارات التي بنت اقتصادا أكثر حداثة، عن سبب عدم حدوث ذلك في بلادهم. لكن تضيف أن الاستثمارات التقنية قد لا تكون كافية لتغيير السعودية.

ويكمن أحد أبرز أسباب توجّه القيادة السعودية إلى الاستثمار في شركات التكنولوجيا في السعي إلى تحويل تلك الشراكات إلى بوابة لنقل المعرفة والخبرة والتكنولوجيا الحديثة إلى السعودية.

لكن خلف تستبعد وجود وصفة سحرية لتحقيق نقلات نوعية كبيرة بسرعة، وأن تتحول السعودية فجأة إلى تخريج أجيال جديدة من الشباب المهرة المناسبين لسوق العمل.

11