سيناريوهات معقدة تواجه مسقط في معركة الضغوط المالية

الحكومة العمانية تسعى للخروج من ورطة تراجع العوائد في ظل ضبابية أوضاع الاقتصاد العالمي.
السبت 2020/05/16
مسارات متقاطعة للوصول إلى الهدف

تعطي الضغوط المالية التي يعاني منها الاقتصاد العماني بسبب جائحة كورونا المستجد لمحة عن السيناريوهات المحتملة أمام الحكومة لترتيب الأولويات والمتمثلة في اعتماد الآليات المناسبة للمواءمة بين أهداف موازنة 2020 وتحديات الوضع الراهن مع إبقاء الباب مواربا أمام إمكانية اللجوء للاقتراض من الأسواق الدولية.

مسقط - تواجه الحكومة العمانية عائقا كبيرا للمضي قدما في خطوات الإصلاح المتثاقلة أصلا، يتمثل في التداعيات التي خلفها فايروس كورونا على محفزات النمو.

ومن المتوقع دخول الاقتصاد في قبضة الانكماش في ما تبقى من العام، وهو ما يرجعه محللون إلى توقف الأنشطة التجارية والاستثمارية مع احتمال تأجيل تخفيف قيود الحجر الصحي لفترة أطول.

ومن خلال المؤشرات، فإن أمام الحكومة ثلاثة سيناريوهات تبدو معقدة للخروج من ورطة تراجع العوائد تتمثل في تقليص المصاريف بشكل أكبر وتوفير الدعم للقطاعات المتضررة والاقتراض.

وكبقية جيرانها في منطقة الخليج، تراهن مسقط على سياسة تنويع مصادر الدخل بعد أن فقدت الكثير من المداخيل نتيجة تراجع عوائد النفط منذ منتصف 2014، لكن الأمر ربما يكون صعبا في ظل ضبابية أوضاع الاقتصاد العالمي.

ونسبت وكالة الأنباء الرسمية لوزير المالية درويش البلوشي قوله إن “الأثر المالي للإجراءات الحكومية للتعامل مع الأوضاع الاقتصادية الاستثنائية في البلاد يتجاوز 1.3 مليار ريال (3.4 مليار دولار)”.

وأوضح أن حزمة الإجراءات المالية التي قررتها الحكومة تركزت في معظمها على تخفيض بنود الإنفاق للعام الجاري.

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، أعلنت وزارة المالية عن حزمة إجراءات إضافية لخفض الإنفاق الحكومي من أجل تقليل حدة تداعيات انخفاض الإيرادات النفطية.

وتقضي التدابير خفضا إضافيا بنحو 5 في المئة على الموازنة المعتمدة لكافة الوحدات المدنية والعسكرية والأمنية للعام الجاري ليصبح إجمالي الخفض بنسبة 10 في المئة، فضلا عن وقف كافة الحفلات والفعاليات غير الضرورية كالاحتفالات السنوية وحفلات التدشين.

درويش البلوشي: الأثر المالي لمواجهة أزمة الوباء يتجاوز 3.4 مليار دولار
درويش البلوشي: الأثر المالي لمواجهة أزمة الوباء يتجاوز 3.4 مليار دولار

وكانت الوزارة قد طلبت في أبريل الماضي، من المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية بخفض الموازنات المعتمدة بنسبة خمسة في المئة. وقالت حينها إنها تستهدف خفض الموازنة العامة للبلاد بنحو 1.3 مليار دولار.

وشملت الإجراءات أيضا خفض السيولة المعتمدة لبرامج التنمية بنحو 10 في المئة وخفض المصروفات التشغيلية والإدارية للشركات الحكومية بنسبة لا تقل عن 10 في المئة، وخفض الدعم المقرر للشركات الحكومية بنسبة 50 في المئة.

وتهدف هذه الإجراءات المالية إلى تحقيق وفورات مالية في الإنفاق والتقليل من عجز الموازنة، التي بنيت على تقديرات تتعلق بتحقيق إيرادات عند 27.8 مليار دولار، وحجم إنفاق بنحو 34.3 مليار دولار.

وتتوقع الحكومة عجزا قدره 6.5 مليار دولار، وهو ما يقل عن 7.28 مليار دولار كانت متوقعة في الموازنة الماضية.

ويرى محللون أن أرقام الموازنة تعكس أصلا أزمة الاقتصاد، وهي مشاكل مرحلية من سنة إلى أخرى دون أن يجري تنفيذ جدي للخطط والعلاجات الإصلاحية، التي تتحدث عنها الحكومة منذ سنوات.

ولعل سيناريو توفير الدعم للقطاع الخاص سيكون حملا ثقيلا على الحكومة لأن الرهان مُنصب عليها للنهوض بالاقتصاد على أسس مستدامة.

ولا تمتلك عُمان احتياطات مالية كبيرة مثل جاراتها الثرية، إذ يقدر إجمالي حجم أصول أكبر صندوقين للثروة السيادية فيها بنحو 20 مليار دولار.

وهناك شواهد تؤكد أن الحكومة قد تتجه للسحب من أصول الاحتياطات النقدية الأجنبية، التي بلغت بنهاية العام الماضي، نحو 17.2 مليار دولار، في حال استمرت أزمة الوباء قائمة لعدة أشهر.

ومن الممكن أن يعطي إلغاء ربط الريال أو على الأقل خفض سعره إلى مستوى أقل أمام الدولار، دعما لمالية الحكومة من خلال زيادة العوائد المقيمة بالريال عن عائدات تصدير النفط، لكن هذه المسألة غير مطروحة بتاتا.

ولطالما أكد البنك المركزي، الذي يتولى تسييره منذ سبتمبر 2017 طاهر بن سالم العمري خلفا لحمود الزدجالي، أنه سيظل ملتزما بقوة بربط سعر الريال بالدولار الأميركي، الذي ظل عند مستوى 2.6 دولار للريال منذ 1986.

ورغم المخاوف من تضخم أسعار الواردات، فإن فوائد ربط سعر الريال مهمة مع الأخذ في الاعتبار التكوين الاقتصادي للبلاد والدرجة العالية من الانفتاح في الحسابات الجارية والرأسمالية للبلاد.

وكانت عُمان وهي إحدى أفقر الدول الخليجية بالموارد النفطية قد أطلقت في 2016 خطة تمتد لخمسة أعوام لتنويع مصادر الدخل، بهدف خفض الاعتماد على إيرادات النفط إلى النصف، لكن وتيرة تنفيذ الإصلاحات لا تزال بطيئة حتى الآن.

ستاندرد آند بورز ترى أن ظروف التمويل قد تتحسن مطلع يوليو ما يتيح لمسقط جمع 50 مليار دولار بحلول 2023

وتشير مؤسسات مالية دولية إلى وجود ضغوط كبيرة ومتواصلة على الموازنة بسبب الإسراف في توظيف المواطنين وقلة الخطط التي تبحث عن موارد جديدة من خلال تعزيز مشاريع التنمية البطيئة.

واتضح ذلك في قرار إرجاء تطبيق ضريبة القيمة المضافة إلى أجل غير مسمّى رغم أن اتفاقا خليجا ينص على تطبيقها بداية من 2018.

وتعد عُمان، المصنفة ديونها عالية المخاطر من وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية الثلاث، من أضعف اقتصادات منطقة الخليج الغنية بالنفط، وقد راكمت ديونا في السنوات الأخيرة لتعويض الهبوط في إيرادات النفط.

ورغم احتمال دخول الحكومة في متاهة عدم السداد بفعل انحسارها عوائدها المالية، لكن السندات السيادية لا تزال تحظى بإقبال كبير من المستثمرين.

ورجحت وكالة ستاندرد آند بورز تحسن ظروف التمويل بالنسبة لعمان في النصف الثاني من هذا العام، مما يتيح جمع نحو 50 مليار دولار تحتاجها حتى عام 2023، على أن يأتي ثلثا هذا المبلغ تقريبا من إصدار ديون خارجية.

وتتوقع الوكالة أن يأتي 63 في المئة من هذا المبلغ من إصدارات دين خارجي و18.5 في المئة من سحب من أصول محلية وخارجية سائلة و15 في المئة من دين محلي وثلاثة في المئة عن طريق صفقات أخرى.

وأوضحت أنه في حال اعتبرت عمان تسعير التمويل في أسواق رأس المال العالمية باهظا جدا، أو إحجام مستثمرين أجانب عن تمديد دين مستحق، فسيتسارع استنفاد البلاد للأصول الخارجية وستتبدد الثقة في ربط الريال بالدولار.

وحتى الآن، لم تطرق عُمان سوق الدين الدولية في ظل تراجع سنداتها لأجل عشرة و30 عاما، ليصل العائد لأكثر من تسعة في المئة.

وتقول الوكالة إن تصنيفها مدعوم بتوقعاتها بأن تحصل السلطنة على دعم من دول مجلس التعاون الخليجي إذا ما واجهت ضغوط سيولة خارجية قوية، لاسيما تلك التي قد تهدد ربط العملة.

ويستبعد البعض أن يقدم جيرانها الخليجيون دعما سخيا كما فعلت السعودية والإمارات حينما قدمت عشرة مليارات دولار للمنامة لمساعدتها على تجاوز عثرة الأزمة التي طالت اقتصادها.

11