سيناريو "الدولة الواحدة" ملهاة جديدة للفلسطينيين

إن كان بن غوريون قد اضطر للتخفف من مبدأ جابوتنسكي مخترع تعبير "أرض إسرائيل الكاملة"، فإن تحالف الصهيونية مع الأصولية اليهودية ليس مضطرا للتخفف ولا لمراعاة أيّ فرضيات صادرة عن الجانب العربي.
السبت 2020/07/25
الاستيطان اليهودي الصهيوني تنامى على أراضي الضفة

أمام الحصاد المرّ، لما يزيد عن ربع القرن، منذ الإعلان عن اتفاقات أوسلو إلى اليوم، تتأمل القوى السياسية الفلسطينية أحوالها، فيما هي فاقدة القدرة على المبادرة، وتستشعر حرجا شديدا، مترددة وخجلة من استذكار مواقفها، سواء تلك التي تطرفت في التفاؤل السياسي بعد أوسلو، أو التي بالغت في تقدير فعالية السلاح والنيران التي تُطلق من غزة، وقد اختلف الفريقان على الأوهام، وأضاعا فاعلية الكيان السياسي القديم الممثل في منظمة التحرير الفلسطينية، والمستجد الذي تمثله السلطة التي أفلست وأصبحت على شفا الهاوية!

خلال 27 سنة من العبث والجدال حول جنس الملائكة، تنامى الاستيطان اليهودي الصهيوني على أراضي الضفة، وجرى رمي غزة جانبا، لكي يحبط الرمي فرضية الجغرافيا التي تنتظر تطبيق سيادة الدولة الفلسطينية عليها، وحرص الطرفان الفلسطينيان المتخاصمان على التمكين لمشروع تفكيك الأمنية الفلسطينية، بينما الفلسطينيون أنفسهم يتساءلون، هل كان الذي يجري مدبرا وله خلفياته ومرجعياته وتكتيكاته، سواء تلك التي أظهرت حبها للتسوية ومنع “العنف” أو التي أسمعت الدنيا طنينها بزعم قرب الزحف من غزة إلى القدس والصلاة في الأقصى؟

كان يمكن لمشروع التسوية الذي يتسم بشيء من التوازن، أن يمتلك قوة دفع ضاغطة، تبدأ بتصليب الحالة الفلسطينية أولا، ثم توفر بصلابتها قوة الفعل المعقولة للإرادتين الإقليمية والدولية. لكن الحال الفلسطينية، فقدت منذ البداية ميزة التوافق على استراتيجية العمل الواحدة، وقد تعددت المناهج، وانطلق كل طرف فلسطيني إلى مسعاه، على أرض محاصرة، تعمد الاحتلال الإسرائيلي جعلها مناسبة لكل ذوي الأوهام، من خلال إضعاف السلطة الفلسطينية، وتمهيد المناخ لانقضاض حماس عليها في غزة. ما يساعد حماس على تأجيج أوهامها، ثم دفعها إلى التقدم في اتجاه المسالمة وتحمل ثقل المسؤولية وحمل أوزار تجربتها، قبل أن تكتشف وظيفتها بالمعيار التاريخي، وهي ضبط الشريط الساحلي الضيق، وهو الجزء المشطور من الجغرافيا الفلسطينية والاحتفاظ به، إلى حين صياغة الشكل النهائي للخارطة، مثلما سيجد الطرف الآخر في الضفة نفسه، حائرا في موضع من رقعة الأرض التي يتخللها الاستيطان!

اليوم، وأمام هذا العجز الفلسطيني على المبادرة، بدأت تسمع مقطوعات مقتضبة عن مشروع “الدولة الواحدة” ثنائية القومية. كأنما ملهاة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة في العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، قد استنفدت أغراضها.

ولم ينطلق المتحدثون عن فرضية الدولة الواحدة من فراغ. لكن امتلاءهم الوحيد، تغطيه حقيقة لا مراء فيها، ولا حقيقة سواها، وهي أن أراضي الضفة المحتلة في العام 1967 لم تعد تصلح لتطبيق حل الدولتين، من دون تفكيك الكتل الاستيطانية الصلبة والمتماسكة على الخارطة، ولاسيما منظومة مستوطنات “معاليه أدوميم” وتلك المستوطنات القائمة فوق خوانات المياه الجوفية الثلاثة في الضفة.

وليس سوى فعل الحرب المستحيلة، التي يدل كل شيء على استحالتها، هو الذي يمكنه ضمان إخلاء هذه المستوطنات، وتسوية أمرها في إطار تسوية تاريخية.

 ما يدعو إلى السخرية، أن قوى صهيونية هامشية متطرفة في إسرائيل، تطوعت إلى مد الطُعم للفلسطينيين، في مبادرة شبيهة بخطط الثعالب. وكأن هناك هشاشة أو لعبة بهلوانية في الإجماع الإسرائيلي، الذي يوحد الصهيونية السياسية مع الأصولية اليهودية ومرجعياتها الرئيسية، على يهودية الدولة و”نقائها” الصهيوني.

لا يختلف اثنان في إسرائيل، على أن مقولة “الدولة الواحدة” التي تجمع الفلسطينيين مع الإسرائيليين؛ أخطر من حل الدولتين، وأكثر خطرا بكثير حتى من إخلاء الضفة من المستوطنين لصالح الدولة الفلسطينية، بل أكثر خطرا من تطبيق قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947.

وما يثير السخرية أيضا، أن بعض الفلسطينيين تجاوب مع فكرة الدولة الواحدة، كمن يريد أن يرفع عن كاهله عبء مقاومة الضمّ وما يسمى صفقة ترامب نتنياهو. ذلك لأن افتراض قابلية تطبيق مشروع الدولة الواحدة، ثنائية القومية، يُبطل نظريا مسألة الضمّ لأن الأراضي كلها ستكون ملكا للدولة العتيدة الواحدة.

إن مثل هذه السخرية، عندما يتقبلها عقل أصولي وصهيوني متطرف، ستكون لها تفصيلات لن تصل في تحضرها إلى مستوى المنهجية، التي اتبعتها دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فمن البديهيات، أن العقل الصهيوني يفتش الآن، عن وسيلة للخلاص من العنصر الإسرائيلي غير اليهودي في دولته، ولن يتخيّل بالمطلق، أن يضاف إلى العرب الفلسطينيين؛ المسلمين والمسيحيين والدروز، خمسة ملايين إنسان آخرون.

معنى ذلك، أن مجموعة أصولية مثل تلك التي تطلق على نفسها اسم “أرض إسرائيل الكاملة” لا تتحدث عن حل للصراع عندما تطرح مشروع “الدولة الواحدة”. فهي تتحدث عن تأطير الصراع من خلال تأسيس مهاجع للعبيد، لا حقوق سياسية لهم، ولهم مهاجع نوم مريح، مقابل وظيفتهم كقوة عمل رخيصة.

العقل الصهيوني يفتش عن وسيلة للخلاص من العنصر الإسرائيلي غير اليهودي في دولته
العقل الصهيوني يفتش عن وسيلة للخلاص من العنصر الإسرائيلي غير اليهودي في دولته

ومن المؤكد تماما أن الذين يتجاوبون مع فكرة “الدولة الواحدة” من الجانب الفلسطيني، ليسوا جهلة. فهم يعرفون أن هكذا طرحا يشبه المناكفة، ويظنون أن إسرائيل ستبادر من تلقاء نفسها إلى التخفيف من تشددها ومن خطط الضمّ لكي تتحاشى مشروع “الدولة الواحدة”.

فإن كان بن غوريون قد اضطرّ للتخفف من مبدأ جابوتنسكي مخترع تعبير “أرض إسرائيل الكاملة”، فإن تحالف الصهيونية مع الأصولية اليهودية المتطرف ليس اليوم مضطرا للتخفف ولا لمراعاة أيّ فرضيات نظرية صادرة عن الجانب العربي.

فها هو التمثال الكبير الذي أقامته بلدية عكا في المتنزه البحري، لخارطة الأرض التي يطمح إليها صهيونيو اليوم ـ كصهيونيي الأمس المتطرفين ـ يُظهر أن الأردن مطلوب ضمن “أرض إسرائيل” وربما يكون الطموح الإسرائيلي إلى التوسع في المنطقة، بدءا بالأردن، هو أحد الأسباب التي جعلت الملك الأردني يسارع إلى رفض مشروع ضمّ الأراضي في الغور، وإلى رفض فكرة “الدولة الواحدة” فورا والتحذير من مقاصدها الخطيرة.

خلال السنوات الماضية لم يُخف الإسرائيليون رغبتهم في تكريس منطق “البديل الأردني” لحل القضية الفلسطينية، والأراضي الأردنية، وهذا الذي يجعل “الليكود” كممثل للصهيونية العقائدية المتطرفة، يحرص أشدّ الحرص على إيصال كل المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية إلى طريق مسدودة.

فعندما نعود إلى فحص نوايا العناصر الصهيونية المتطرفة، التي طرحت فكرة حل الدولة الواحدة، نتبيّن الخطر الذي تمثله على الأردن، وهو لا يقل عن الخطر الذي يمثله هذا الحل على قضية فلسطين والهوية الفلسطينية وكرامة الفلسطينيين.

وربما يستغرب البعض أن رؤوفين ريفلين، عندما كان رئيسا للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الذي أصبح في العام 2014 رئيسا لدولة إسرائيل، هو من معارضي حل الدولتين، ومن مؤيدي “الدولة الواحدة”.

وجهة نظر ريفلين تقوم على أساس أن أمام الفلسطيني في الضفة ثلاثة خيارات؛ الأول، أن يقبل دولة عربية فلسطينية ويسعى إلى قيامها، وبهذا الخيار لن يحق له البقاء على “أرض إسرائيل الكاملة”، والثاني، أن يكون مؤيدا للسيادة اليهودية على الأرض، لكنه لا يريد الالتزام بكامل واجباته وأولها الجندية، وهذا ستقبله إسرائيل كمقيم وله حقوق إنسان كاملة، لكنه لن يحظى بتمثيل سياسي في مؤسسات الدولة، أما الخيار الثالث، فهو الفلسطيني الجديد الذي كانت تريده الصهيونية من وراء اتفاقات أوسلو، وهو المستعد لأداء قسم الولاء والإخلاص للدولة ولأداء كل الواجبات، شأنه شأن اليهودي.

وهذا الذي جعل الأردن يتحسب من تحوّل مشروع الدولة الواحدة، إلى مضخة لسحب سكان الضفة إلى أراضيه!

أمام هذه الحال، ومع عجز الفلسطينيين عن القيام بأيّ مبادرة، يمكن أن يتعاطى البعض مع أطروحات مستحيلة أو شديدة الخطورة، للتسرية عن النفس أو للتجاوب مع الملهاة.

9