سيناريو نهر البارد يخيم مجددا على أجواء عين الحلوة

يشكل تعاظم قوة التيار الأصولي في عين الحلوة، أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، هاجسا كبيرا للفصائل الفلسطينية التي تدير أمن المخيم، خاصة أن الجولة الماضية من المعارك بين جند الشام وعناصر حركة فتح كشفت عن القدرة التسليحية الكبيرة التي يتمتع بها هذا التيار والتي تقف خلفها دوائر إقليمية.
الأربعاء 2015/09/16
سكان عين الحلوة بين مطرقة الأوضاع الاجتماعية المزرية وسندان الجماعات المتشددة

قال مصدر فلسطيني من داخل عين الحلوة في اتصال مع “العرب” “إن الوضع بالمخيم مترد وهو قابل للانفجار مجددا”.

وأعرب المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه، عن تخوفه من تكرار تجربة نهر البارد، متهما الجماعات المتطرفة وفي مقدمتها “جند الشام” بالسعي إلى ضرب أمن المخيم في مسعى للسيطرة عليه.

ويوجد صراع معلن بين الجماعات الإسلامية المتشددة وعلى رأسها جند الشام والقوى المحسوبة على التيار العلماني وفي مقدمتها فتح.

وسجلت في الفترة الأخيرة محاولات استفزازية من عناصر جند الشام للقوى الأمنية الفلسطينية التي تقودها فتح بإلقاء ثماني قنابل يدوية على الأحياء وإطلاق أعيرة نارية في الهواء.

وتساءل الشيخ حسام العلاني، إمام مسجد الغفران بصيدا “ماذا يعني أن تلقى 8 قنابل في ليلة واحدة في المخيم، وما الهدف؟ ومن المستفيد من ترويع الآمنين من الأطفال والنساء والشيوخ؟ وأين القوى والفصائل الفلسطينية داخل المخيم لفرض الأمن وتوقيف الفاعلين؟”.

وأضاف “أن هذا المسلسل الذي شهده مخيم عين الحلوة، يذكرنا بما كان يحصل قبل الاشتباكات المسلحة الأخيرة، ما يعني أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه سابقا”.

واندلعت أواخر الشهر الماضي جولة قتال جديدة بين جند الشام وحركة فتح، على خلفية مقتل القيادي في فتح طلال الأردني بأيدي مجهولين كانا يستقلان دراجة نارية بينما كان يمر سيرا مع مرافقين له في الطرف الجنوبي من عين الحلوة.

وأدت الاشتباكات بين الطرفين والتي تواصلت ليومين إلى مقتل ستة أشخاص، وجرح 50 آخرين، فضلا عن نزوح عشرات العائلات من مناطق الاشتباك.

وسبق عملية قتل الأردني، الذي يتولى قيادة كتيبة في جهاز الأمن الوطني المسؤول عن أمن المخيم، محاولات أخرى لتوتير الأجواء عبر إلقاء قنابل يدوية في بعض نواحي المخيم.

وعين الحلوة هو المخيم الأكبر للاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث يضم 80 ألف نسمة وقد ازداد العدد مع اندلاع الأزمة السورية ونزوح الآلاف من فلسطينيي اليرموك والسوريين فارين من النزاع.

وتشرف قوة أمنية مشكلة من فصائل فلسطينية وعلى رأسهم فتح على أمن المخيم، فيما يتولى الجيش اللبناني الإشراف على مداخل المخيم ومحيطه، وذلك بناء على اتفاق بين بيروت والسلطة الفلسطينية.

80 ألف نسمة عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين يقطنون مخيم عين الحلوة

ويوجد داخل مخيم عين الحلوة العشرات من المجموعات المتطرفة على غرار جند الشام وفتح الإسلام والشباب المسلم (التي هي عبارة عن تنسيقية بين الجماعات المتشددة).

وتنتشر المجموعات الإسلامية المتطرفة في عين الحلوة، في ثلاثة أحياء، هي الطوارئ والصفصاف وحطين التي يستقر فيها جهاديون قاتلوا في سوريا ومطلوبين للعدالة في قضايا اغتيال.

وكانت كل من هذه الجماعات تنتمي نظريا لتنظيم القاعدة، إلا أنها في السنتين الماضيتين بدأت تنحو باتجاه تنظيم الدول الإسلامية المعروف بداعش.

وأكد المصدر الفلسطيني الذي رفض الكشف عن اسمه لـ”العرب” أن أهم الجماعات المتشددة في المخيم باتت تدين بالولاء لداعش، حيث تنتشر أعلام التنظيم في الأحياء التي تسيطر عليها.

وكانت مصادر أمنية قد تحدثت سابقا عن اتصالات يجريها تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة القلمون السورية مع عدد من القيادات المتطرفة في المخيم، لضمان ولائهم له.

بالتوازي مع ذلك يحاول التنظيم التغلغل في صفوف اللاجئين السوريين واستقطابهم داخل المخيم، حيث أوكل لعناصر تابعة له القيام بهذه المهمة.

هذه التطورات دفعت حركة فتح أساسا إلى الاستنفار وعقد اتصالات واجتماعات تواترت في الأسبوعين الماضيين مع بعض الفصائل الفلسطينية وأيضا مع جماعة “أنصار الله” التي تتخذ من مخيم المية مية شرق صيدا معقلا لها.

وجماعة أنصار الله بقيادة الفتحاوي السابق جمال سليمان كانت تدين بالولاء لحزب الله، لكن العلاقة بين الطرفين قد تدهورت العام الماضي على خلفية إقدام عناصر الجماعة على إلقاء صواريخ على الجانب الإسرائيلي انطلاقا من الجنوب ما أثار غضب قيادة حزب الله.

واليوم يتجه سليمان إلى إعادة ربط العلاقة مع حركة فتح مجددا، وقد شارك في الاجتماعات أيضا كل من حماس والجهاد الإسلامي.

سجلت مؤخرا محاولات استفزازية من جند الشام للقوى الأمنية الفلسطينية بإلقاء ثماني قنابل يدوية على أحياء المخيم

ويعزو محللون التحرك الفتحاوي إلى تعاظم حجم التهديد للتيار الأصولي في المخيم، والذي ثبت بالكاشف وجود جهات إقليمية تديره بالنظر إلى نوعية الأسلحة المتطورة التي بحوزة عناصره والتي كشف عنها في جولة القتال الأخيرة التي كادت أن تنتهي بهزيمة عناصر حركة فتح لولا أن تم تطويق الوضع عبر الاتصالات التي تم إجراؤها على الصعيد الداخلي والإقليمي أيضا.

وتقول قيادات فتحاوية إن أهداف التنظيمات المتطرفة تتعدى السيطرة على المخيم إلى تهجير الفلسطينيين وبالتالي إسقاط “حق العودة”، وترى أن محاربة هذه التنظيمات والقضاء عليها بات لا مفر منه.

ويخشى سكان المخيم من سيناريوهين الأول هو إعادة إنتاج أحداث نهر البارد، والثاني تحوُل المخيم إلى قلعة للمتطرفين في قلب لبنان.

يذكر أن أحداث نهر البارد اندلعت في 2007 بين الجيش اللبناني وفتح الإسلام المتطرفة، في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمالا، وأدت المعارك إلى تدمير المخيم وقتل العشرات من الجانبين.

المخاوف من التطورات الجارية بعين الحلوة لا تطال فقط أهالي المخيم والقوى الفلسطينية المحسوبة على الشق العلماني، بل تتعداها إلى لبنان لأن وجود مثل هذه الجماعات يعني تهديدا مباشرا وخطيرا لأمن البلاد ككل، في ظل ظرف داخلي وإقليمي مرتبك.

4