سينمائيون عرب يستعيدون توفيق صالح "سندباد السينما العربية"

الاثنين 2013/09/30
أغلب أعمال توفيق صالح حوصرت وأحبطت

قبل نحو أربعين يوما، غيّب الموت صباح يوم الأحد (18 آب/ أغسطس الماضي) المخرج السينمائي المصري الكبير توفيق صالح، عن عمر ناهز الـ87 عاماً، قضى منها أكثر من نصف قرن مدرساً للسينما في مصر وخارجها، كما أخرج سبعة أفلام روائية طويلة.

يعدُّ توفيق صالح (المولود في مدينة الإسكندرية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1926)، أحد رواد السينما الواقعية المصرية، وأحد أبرز أعلام السينما العربية الذين اشتغلوا طويلاً في ابتكار لغة سينمائية خاصة، أسست لرؤية جمالية انطلقت من تجاور الأنواع الأدبية والفنية. وذلك على الرغم من قلة أفلامه الروائية الطويلة (7 أفلام) من بينها : "درب المهابيل" (1954) كتب حواره عبد الحميد جودة السحار والسيناريو لنجيب محفوظ وصالح، ثم حققّ فيلم "صراع الأبطال" (1962) من إنتاج عز الدين ذو الفقار، وتأليف مجموعة تكوّنت من ذو الفقار وعبد الحي أديب ومحمد أبو يوسف وصبري عزت بالإضافة إلى صالح نفسه، ثم "المتمردون" (1966) عن قصة لصلاح حافظ، و"يوميات نائب في الأرياف" ( 1968) مقتبس عن رواية توفيق الحكيم، و"السيد البلطي" (1967) عن رواية صالح مرسي.

انتقل بعد ذلك إلى العراق عام 1973 حيث قضى أكثر من عشر سنوات ليدرّس للطلاب الإخراج السينمائي، وأنجز خلال فترة إقامته هناك – بطلب خاص من الرئيس الراحل صدام حسين – فيلم "الأيام الطويلة" (1980) عن رواية للعراقي عبد الأمير معلة، وهي تحكي قصة هروب صدام حسين بعد اغتيال عبد الكريم قاسم. وقد رأى النقاد أن هذا الفيلم هو الأسوأ في تاريخ صالح السينمائي، بدوره فضّل هو نفسه أن يحذف هذا الفيلم من تاريخه الفني. ومنذ ذلك التاريخ (1980) وحتى عامنا هذا (أي 33 عاماً) توقف صالح عن صناعة الأفلام ؟!. وكان أن اختار نقاد ومخرجون مصريون – بمناسبة مئوية السينما المصرية عام 1996 – من بين خمسة أفلام أخرجها صالح في مصر، أربعة أعمال ضمن قائمة (أهم مئة فيلم مصري في تاريخ السينما المصرية)، وهذا سبق لم يحققه غيره من السينمائيين المصريين، والأفلام هي: "درب المهابيل" و"صراع الأبطال" و"المتمردون" و"يوميات نائب في الأرياف".

كذلك كتب صالح عام 1958 قصة فيلم "إحنا التلامذة" الذي قام ببطولته عمر الشريف وأخرجه عاطف سالم ويعد أحد كلاسيكيات السينما المصرية، وواحدا من أفضل مئة فيلم مصري في القرن العشرين.

كما صنع الراحل أفلاماً تسجيلية في خمسينات وستينات القرن المنصرم منها: "كورنيش النيل" (1956)، و"فن العرائس" (1957)، ثم "من نحن؟" (1960) وهو فيلم عن اللاجئين الفلسطينيين.

عاد صالح للاستقرار في مصر عام 1984، ونال جائزة الدولة التقديرية عام 1996. كما كرمه المهرجان القومي للسينما عام 1999 وصدر عنه بهذه المناسبة كتاب بعنوان: "سينما توفيق صالح" للناقد محسن ويفي. كذلك كرمه مهرجان الإسكندرية السينمائي عام 2009. وقد لقب الراحل بـ"سندباد السينما العربية" لانتقاله بين عدة بلدان عربية والاشتغال فيها.


الرائد الاستثناء


من جهته قال المخرج المصري أحمد رشوان عن رحيل صالح: "حتى يوم 30 أيلول/ سبتمبر 2012، كان بعيداً عن قلبي، وإن كنت أقدره كصانع أفلام كبير ومعلم متميز، لكنني كنت أرى قدراً لا بأس به من التعالي في آرائه في الأجيال المختلفة من السينمائيين، وتنظيراً غير مستحب.

وشاءت الأقدار أن ألتقى به في منزله في هذا اليوم مع د. محمد المديوني (مدير مهرجان قرطاج) لنرتب لتكريمه وعرض جميع أفلامه في دورة المهرجان الأخيرة ، دام الحديث لمدة ساعتين وانفتح قلبي العاص بعد تلك السنوات لهذا الأستاذ الجليل وكلماته، بعدها ذهبنا للقاء كمال عبد العزيز (رئيس المركز القومي للسينما)، لنواصل حديثنا هناك، ونعاين نسخ الأفلام المسافرة إلى تونس، وبالمصادفة حضر د .رمسيس مرزوق، وسميح منسي.

وفي اليوم التالي دعاني الأستاذ للغداء في منزله مع د. المديوني .. لمست الطيبة والحكمة في أعماقه وشعرت بالأسى يعتريه لما وصلت إليه السينما من حال، ربما في تلك اللحظات انقشعت الغشاوة عن قلبي، في هذه الجلسة، قال الأستاذ إنه يحب أفلام خان، وإنه يراه سينمائيا واعيا ومثقفا، شعرت بالغبطة، لأنني قرأت له آراء مخالفة منذ سنوات لهذا الرأي، وهاتفت خان في اليوم التالي وحكيت له وأنا أضحك: هذه شهادة في حقك يا أستاذ خان، والأستاذ قال هذه الكلمات في وجود شهود! أما لقاؤنا الأخير فكان في تونس، ولم يكن لقاء طويلاً، لأن الأستاذ قد بدا عليه التعب من إرهاق الرحلة، وأنا لم أبق في تونس سوى 48 ساعة، جلسنا نتحدث قليلاً وصعدت لأرتب حقيبتي استعداداً للسفر، وكان لقاء الوداع. وداعاً يا أستاذ توفيق صالح".

ويقول المخرج الأردني صلاح أبو هنود: "كان الراحل توفيق صالح من كبار السينمائيين العرب الذين ساهموا في ولادة مفهوم "السينما النضالية" أو مفهوم "السينما الثورية" التي بدأنا تجربتها أنا صلاح أبو هنود والمرحومين هاني جوهريه ومصطفى أبو علي عام 1969 وانعكست سنة 1970 في فيلم "الجماهير الثورية المسلحة تقول لا للحل السلمي" وصار يعرف ويؤرخ له باسم "لا للحل السلمي".

ولكن "السينما الثورية" التي بنيت فكرتها على أساس الثورة على كل ما هو سائد في السينما من ناحية النص والإخراج والتصوير والمونتاج انحسرت إلى مفهوم "السينما النضالية" أي تبني موضوعات وطنية وفلسطينية وانتهى مفهوم "السينما الثورية" وبقي مفهوم السينما عند المخرجين لأنهم لا يملكون القدرة على خلق سينما بديلة للمفاهيم المتعارف عليها والسائدة في العالم وتدرس على نطاق واسع في كافة المعاهد، ونفر قليل ممن يؤمنون بـ"السينما الثورية" انسحب وقد ساعد في ذلك انحسار الأفكار الثورية على المستوى الفلسطيني والعربي والعالمي وبقيت مجموعة قليلة من أهل "السينما النضالية" مثل توفيق صالح ولكنها حوصرت ولم تتمكن من إنجاز طموحاتها وماتت بقهرها وتخلت عنهم مصادر التمويل إلا ما ندر. وبانحسار المد النضالي العربي بعد حرب أكتوبر 73 قل عدد الأفلام حتى على المستوى الفلسطيني الذي كان ملهماً لـ"السينما الثورية".


السينما النضالية


باتصالنا مع، رئيس ملتقى الفيلم الفلسطيني، المخرج الفلسطيني سعود مهنا، قال لـ"العرب": "المخرج الكبير توفيق صالح -رائد مدرسة الرمزية في السينما العربية-، تلك السينما التي ترعرعت واستمرت بفضل مجموعة من مبدعيها، من بينهم المخرج توفيق صالح الذي لا يستطيع أحد أن يذكر الأفلام العربية المهمة والتي تركت بصمة في مسيرة السينما إلا وأن يتذكر ذلك المخرج المشاكس العنيد الذي تبنى مساراً جديداً في وقتها ألا وهو السينما المناضلة ( السينما الرمزية)".

المخرج توفيق صالح الذي دافع عن الحرافيش بل كان واحداً منهم وحمل قضاياهم وحاول تجسيدها في أفلامه مما أثار السخط وعدم الرضا وعدم عرض تلك الأفلام ولكن مما يحسب لهذا المخرج الكبير أن أربعة من أفلامه هي ضمن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.


مدرسة الرمزية

* كان همه القضية الفلسطينية وتبنى الكثير من الأفكار الثورية وسافر إلى دول كثيرة مدافعاً عن قضايا الإنسان بطريق بصرية مميزة.

* دافع عن الحرافيش بل كان واحداً منهم وحمل قضاياهم وحاول تجسيدها في أفلامه مما أثار السخط وعدم الرضا وعدم عرض تلك الأفلام.


لقد كان المخرج الراحل توفيق صالح يعتمد الرمزية في تناوله لأفلامه وهذا كان واضحاً في فيلمه "المتمردون" وقد كان المشاهد العربي في ذلك الوقت غير مهيئ لتقبل بل فهم رؤية توفيق صالح التي تعتمد على الرمزية في طرحها السينمائي لذلك أعتبر صالح "رائد مدرسة الرمزية في السينما العربية".

لا يفوتني الحديث عن علاقة صالح بالقضية الفلسطينية التي كان يدافع عنها في كل مكان وتبنيه للكثير من الأفكار الثورية وسافر إلى دول كثيرة حاملا معه الهم الفلسطيني ومدافعاً عن قضايا الإنسان الفلسطيني. ولا ننسى أنه أخرج فيلماً مهماً عن القضية الفلسطينية ألا وهو فيلم "المخدوعون" وهو عن رواية الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني "رجال في الشمس"، وقد حصل الفيلم على جوائز عديدة وشارك في مهرجانات عالمية أيضاً. لذلك أعتبر أن هذا الفيلم استطاع أن يوصل القضية الفلسطينية ومعاناة الإنسان الفلسطيني إلى العالم بطريقة بصرية رائعة وتستحق التقدير".

وفي دمشق التقت "العرب" بالناقد السينمائي السوري عوض القدرو الذي قال في رحيل توفيق صالح: ""المخدوعون" واحد من أبرز أفلام السينما السورية والعربية، هذا الفيلم الذي حمل توقيع المخرج الراحل توفيق صالح الذي خرج من القاهرة عاصمة السينما العربية 1972 متجهاً إلى دمشق حاملاً مشروعه وحلمه السينمائي الخالد "المخدوعون" والذي تبنت إنتاجه بالكامل المؤسسة العامة للسينما في سوريا.

لم تكن مؤسسة السينما في ذلك الوقت تمتلك القاعدة الفنية والتقنية الكاملة ومع ذلك لم يكن دخول توفيق صالح في معركة إخراج فيلم "المخدوعون" مغامرة سينمائية بقدر ما كان هماً سينمائيا ووطنياً كبيراً. بهذا الفيلم قدم توفيق صالح الحزن الذي غالب غسان كنفاني مثلما غالب كل الشعب الفلسطيني والعربي، وصالح لم يكن يريد من فيلمه هذا أن يكون مجرد رقم في مكتبة السينما العربية والسورية بل أراد له أن يكون شاهداً بصرياً على مر الزمان لسينما عربية واقعية حقيقية لن تموت. سينما شديدة الأمانة والإخلاص للرواية العربية.

غسان كنفاني كان حاضراً في كل لقطة من لقطات "المخدوعون" الذي أصر توفيق صالح، حسب ما يقول أقدم مدير إنتاج في المؤسسة العامة للسينما، على تصوير مشاهد الفيلم في أقرب مكان ممكن حسب ما ورد في رواية غسان كنفاني وتم تصوير الفيلم في ظروف صعبة جداً وأقرب إلى المكان المذكور في الرواية، فكان أن تم تصويره في الصحراء السورية بالقرب من الحدود العراقية – السورية.

ومن يذهب إلى مستودعات المؤسسة العامة للسينما سيجد ولغاية هذا اليوم السيارة التي تم استعمالها في هذا الفيلم "شاهدة عصر" على عظمة هذا الفيلم، كما أن من يطالع تاريخ توفيق صالح السينمائي يكتشف أن الرواية العربية كانت الحافز والمستفز لحماسة توفيق صالح السينمائية ومن هنا جاءت أفلامه واقعية وقريبة جداً من نبض الشارع العربي فـ"يوميات نائب في الأرياف" أو "السيد البلطي" أو "المخدوعون" لم تكن تلك الأفلام حدثا عابرا في مسيرة السينما العربية لكنها أضحت "أمثولة" و"شاهدة عصر" على سينمائي حمل هم وحلم الأدب العربي الصريح المكتمل الملامح ليحلق به سينمائياً كبيراً بكل شيء، نعم رحل توفيق صالح لكن كل دروب السينما الجميلة تؤدي إلى ذاكرة يوميات ذلك السينمائي الكبير الذي سيبقى كثيراً في ذاكرة السينما العربية".

وأخيراً يقول الصحفي والناقد السينمائي علي العقباني لـ"العرب": "صالح، واحد من مخرجين قلائل قفزوا بالسينما المصرية والعربية إلى بدايات جديدة ومتميزة، ومع كل فيلم من أفلامه كانت تنشأ المشكلات الإنتاجية والرقابية، وأفلامه على الأغلب لا تعرض جماهيرياً، ويُكتفى بعرضها في قصور الثقافة ونوادي السينما والمهرجانات، وقد تصل حد المنع أو التشويه، وكاد فيلمه "يوميات نائب في الأرياف" يتعرض للمنع النهائي لولا تدخل الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر الذي أمر بعرض الفيلم كاملاً بعد أن شاهده وأبدى إعجابه به".

14