سينمائي جزائري يُشعّ في سماء مهرجان موسكو بفيلم "زمن الحياة"

حميد بن عمرة يعود من خلال فيلمه ليتناول موضوعات فلسفية تتعلق بفكرة الولادة والزمن والأمل التي يعيشها الشخص والمصاعب التي تلاقيه.
الاثنين 2019/04/22
موضوعات فلسفية بشخصيات سينمائية

حميد بن عمرة، هو سينمائي جزائري درس الفلسفة ثم السينما في فرنسا حيث يقيم الآن، قدم أول أفلامه في الجزائر عام 1981، كما مارس فن التصوير والإخراج عبر ما يزيد عن ثلاثين عاما من حياته، قدم فيها الكثير من الأفلام الهامة، كان منها “هواجس الممثل المنفرد بنفسه” الذي صنفه الناقد السينمائي اللبناني محمد رضا الثالث من بين 450 فيلما عربيا وعالميا حصدت تقييم خمس نجوم في تاريخ السينما، وهو يشارك الآن في مهرجان موسكو السينمائي الدولي بفيلمه الجديد “زمن الحياة”.

باريس – يحيلنا السينمائي الجزائري حميد بن عمرة في أفلامه، إلى عوالم تتشح بالكثير من الدفق الإنساني الذي يكونه الحدس والرغبة بالبحث عن الجديد في الطرح  مضمونا وشكلا، وهو الذي  يتجه لحساسيات سينمائية بالغة الدقة والسمو.

ويعتمد في أفلامه السينمائية خطا غير روائي بالمعنى الكامل للكلمة، مع أنه يحكي في النهاية قصصا محددة، يلج فيها موضوعات إنسانية عميقة ومتفردة، تبحث في كينونة الإنسان وصراعاته مع محيطه الإنساني ومفاهيمه العليا أو المعيشة.

وعبر فيلميه الأخيرين “هواجس الممثل المنفرد بنفسه” و”حزام”  قدم رؤى سينمائية عميقة وشفافة، تعنى بالإنسان في داخله، وقد لاقى الفيلمان صدى كبيرا على مساحات العروض التي كانت لهما في العديد من المهرجانات السينمائية العالمية.

بصمة خاصة

في فيلمه الأحدث “زمن الحياة” يعود حميد بن عمرة ليتناول موضوعات فلسفية تتعلق بفكرة الولادة والزمن والأمل التي يعيشها الشخص والمصاعب التي تلاقيه، وهو الفيلم الذي يشارك به في مهرجان موسكو السينمائي الحالي (من 18 إلى غاية 25 أبريل الجاري).

والفيلم الذي ظهرت فيه شخصيات حقيقية كالمخرج السينمائي السوري محمد ملص، والمخرج والناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات، والفنانة الفرنسية ستيفاني بن عمرة، هو الفيلم الذي أنتج من قبل الشركة التي يمتلكها بن عمرة “نون فيلم” ومدته مئة وخمس عشرة دقيقة، قدم فيها الكثير من بوحه السينمائي المتفرد.

“العرب” التقت المخرج الجزائري- الفرنسي حميد بن عمرة في العاصمة الفرنسية باريس لتحاوره عن سينماه وفيلمه الجديد، فسألته “سينماك، تبحث في الإنسان بعيدا وعميقا، وفي فيلمك الأخير تؤكد هذا المسار، فما الذي يشدك نحو هذا النمط السينمائي تحديدا؟”، ليجيب “لست مشدودا بنمط أو شكل سردي معين أكثر مما أنا مرتبط بالحساسية والنبض الإنساني متعدد الألوان، لأن اللغة الفيلمية غير ثابتة، مثل تحرك الأفكار المستمر في تدفقاتها التسونامية تارة والهادئة في مراحل أخرى”.

ومن ثمة فاللقطة عند بن عمرة ليست حبيسة الوجه، بل تمتد وتتقلص حسب “تكشّره” (عُبوسه) أو انبساطه، والوجه هو الذي يحدد البعد والعمق الذي يترقبه، فهو عنده الملهم والفاتح لمعادلة التركيب السري.

اللقطة عند حميد بن عمرة ليست حبيسة الوجه، بل تمتد وتتقلص حسب عُبوسه أو انبساطه، فالوجه هو الذي يحدد العمق المرتقب
اللقطة عند حميد بن عمرة ليست حبيسة الوجه، بل تمتد وتتقلص حسب عُبوسه أو انبساطه، فالوجه هو الذي يحدد العمق المرتقب

ويضيف “لست باحثا ومنقبا أكثر من مقتفي آثار وبصمات تحرك فضولا تتداعى من خلاله تساؤلات ليست ضرورية الإجابة عنها، لأنها تحمل في علامات استفهاماتها الفهم والمفهوم، الإحساس أولى من الفهم لأن الحدس أسرع في قراءة اللقطة أكثر من العين التي قد تفكك خطوط العرض والطول في الصورة، بالسينما لا تشاهد فقط ببصرك وإنما ببصيرتك”.

والسينما التي يمارسها المخرج الجزائري لا تعتمد على الإثارة ولا على التشويق البوليسي، حيث يرى أنه من السهل تصوير المعارك والكر والفر والمطاردة جريا أو بسيارات “دبابية” التصميم، في المقابل فإن ما يتعسر الإمساك به هو البراكين والخسوف والمد والجزر في وجه الممثل عندما لا يحرك ساكنا”.

ويوضح “إمكانية التقاط خام الممثل عسيرة جدا، لأنك لا توجهه وإنما تترقب أن يفتح للعدسة آفاق قلبه، ليس البحث هو المثمر بل الصبر وعلاقة العدسة بالزمن الممتد ومدى خلق جو سيكولوجي يدخل الممثل في هيام وسكر يسمح للإطار بتحديد الشعور والبريق الذي أحتاجه في الحبكة المرغوبة، التشويق بأفلامي فلسفي وسيكولوجي والإثارة تولد من قوة الوجوه المختارة وتواؤمها مع السرد الذي أطرحه”.

وبن عمرة سرد في أفلامه أكثر من حدوثة في آن واحد، أفلامه سميكة المفاهيم، والأرضية فيها ملغمة دوما بأسرار نادرا ما يُنتبه إليها، إذ ليس في متناول الجميع إيجاد نمط وإيقاع ورنة وبصمة مرئية، حيث أن الأغلبية تريد أن تتشبه بفلان أو فلانة بحجة التأثر بعمل الغير، ويوضح في هذا السياق “لقطات أفلامي الأولى بين 1981 و1985 لا تختلف عن تأطير أفلام 2016 و2019، لأن البصمة لم تتغير ولا يجب أن تتغير”.

وعن مشاركته في مهرجان سينمائي عالمي شهير كمهرجان موسكو والقيمة التي تضيفها هكذا مهرجانات لعرض الأفلام، يبيّن بن عمرة لـ”العرب”، “في غياب توزيع عربي حرفي لا يُتعامل مع الفيلم مثل سندويتش الشاورمة أو الهمبورغر الدسم يبقى، المهرجان الواجهة الوحيدة التي تعرض الفيلم في سياق عالمي مفتوح لجمهور متعدد الجنسيات والثقافات”.

حساسية الثيمة

يضيف بن عمرة “المهرجان سجّل يدخل الفيلم فيه في التاريخ السينمائي، والمهرجان ليس سباقا أو تنافسا، لأنه غالبا ما يحوي أفلاما تكون أكبر من لجان التحكيم”.

ويوضح “فيلمي الجديد ‘زمان الحياة’ رفض في ثلاثة مهرجانات عربية، لأني لا أنتمي إلى عشيرة فلان أو علان، وجود عملي بالمهرجان الذي عرض سابقا بمخرجين مثل كوبريك وفيليني وأنجيلوبولوس وفايدا والعديد من الأسماء العملاقة يعني أن هناك أشخاصا يشاهدون الأفلام ولا يهمهم إن كنت من أنصار هذا الفريق أو ذاك، وإن كنت صديق الموزع الفلاني أو المغنية الفلانية، المهرجان ليس ألعابا أولمبية، المهم فيها المشاركة، لكن يهمني فيه لقاء الجمهور العادي الذي يستغل الفرصة للتعرف على المختلف وغير المألوف”.

ويؤمن بن عمرة بذكاء الجمهور وفطنته، ويقول “الجمهور أكثر ذكاء وحساسية من الموزعين وحتى من بعض مدراء بعض المهرجانات العربية التي تحولت إلى عرس ختان، إننا أمام تجانس من نفس الجينات قد بدأ يخلق بشاعة يتناثر قبحها على السجادات الحمراء الفاحشة”.

ويتساءل “من الذي خوّل لبعض الموزعين الكلام باسم السينما العربية وتوزيع الجوائز على نفس الأنصار موهمين العالم بأن هذه هي السينما العربية؟ من له الحق في الحديث باسمي لأني جزء من السينما العربية والأفريقية دون استشارتي؟”، ويسترسل “بعض المهرجانات النادرة ما زالت قلاعا حامية من هذه الدعارة الهمجية، لكن إلى متى ستبقى صامدة قبل النيل منها؟”.

وينتهج بن عمرة لغة سينمائية خاصة من حيث اختيار الموضوع وشكل تناوله، والتصوير بأجواء حقيقية وفترات تصوير طويلة، ثم طريقة المونتاج المركبة، وتضافر كل ذلك بموسيقى متنوعة، ويعتمد دائما على مشاهد يظهر هو فيها، وعن ذلك يقول “أنت لا تختار موضوعا رابحا وآخر شائكا، وإنما الأحداث تفرض ذاتها على حساسيتك وترغمك على التعامل معها، لا أنتقي في الجريدة اليومية الحدث الأبشع أو الأكثر جدلا لأستعمله كطعم مغر سهل الابتلاع، بل أتعايش مع ما يجري حولي، خصوصية السرد الذي أطرحه تشبه فقط تفكيري وتداعي أفكاري وليست قالبا مسطرا وممنهجا مسبقا”.

17