سينمائي فرنسي ينتج أطول فيلم في تاريخ الفن السابع

“سينما تون”.. أربعة عقود من التوثيق السينمائي لعمالقة الثقافة والفن العالمي.
الجمعة 2019/11/08
الناقد السينمائي المصري كمال رمزي بعدسة جيرار كوران

ارتبط اسم المخرج الفرنسي العالمي جيرار كوران بمشروعه السينمائي “سينما تون” أو البورتريهات المُؤفلمة، لشخصيات فنية وثقافية معروفة من سينمائيين، نقاد، منتجين، صحافيين، كُتّاب، فلاسفة وفنانين تشكيليين، مشروع  مليء بالغرابة والدهشة. “العرب” التقت كوران فكان هذا الحوار عن مشروعه الوثائقي الأطول في تاريخ السينما العالمية.

“سينما تون” (cinematon) تعني لغويا، النظر سينمائيا بالتركيز على هدف محدد، وهو يشابه إلى حد بعيد حجرة التصوير التي يدخلها شخص منفردا ويقابل عدسة ويتخذ مقابلها العديد من الحالات والانفعالات لتصوّره. فهو يقوم على تصوير شخصية بعينها بلقطة واحدة ثابتة خالية من الصوت لمدة تقارب الثلاث دقائق، تستطيع خلالها الشخصية أن تتحرك أو أن تقوم بأي فعل تريد والشرط الوحيد عدم وجود الكلام. وستكون النتيجة الحصول على مادة مرئية عن تلك الشخصية بكامل الوضوح والبساطة.

وبدأ المخرج الفرنسي جيرار كوران، العمل على مشروع السينمائي المُبتكر “سينما تون” منذ أربعة عقود، مشروع سينمائي أثار به اهتمام الخاصة والعامة، وكتب عنه سينمائيون وكتاب ومفكرون وفلاسفة، واستطاع به تحقيق حلمه بتسجيل عشرات الآلاف من البورتريهات لشخصيات إبداعية هامة.

ويشرح كوران لـ”العرب” السبب الذي جعله يبدأ مشروعه منذ أزيد من 40 عاما، فيقول “في مطلع سبعينات القرن العشرين، كنت شابا شغوفا بالسينما إلى درجة كبيرة، وكنت أشاهد الكثير من الأفلام في فرنسا التي تنتمي إلى فترات زمنية مختلفة، وكان بعضها قديما نسبيا، بحيث لم تكن توجد لهذه الأفلام صور عنها أو عن مبدعيها، لذلك كان الوصول إلى مادة بصرية عن مبدعي هذه الأفلام أمرا صعبا وأحيانا مستحيلا، والأمر ذاته ينسحب على كبار الكتاب والشعراء والممثلين الذين لا صور لهم”. من هناك بدأت فكرة كوران والمتمثلة في صنع بورتريهات لهم لتكون وثائق بصرية عنهم. فكر بأسلوب بسيط جدا قام من خلاله بتصوير هؤلاء. ويقول موضحا “سايرت في ذلك الأخوين لوميير أول من اشتغلا على السينما، وهما اللذان كانا يعتمدان على الكاميرا الثابتة في زمن قليل لا يتعدّى الخمسين ثانية”. وسبب هذا المعيار الزمني، هو تقني بحت، كون علبة الفيلم الخام كانت تنتهي بعد تصويرها خمسين ثانية. ولو احتاج المخرج تصوير المزيد، فيجب عليه أن يُركّب بكرة خام أخرى.

ويسترسل المخرج الفرنسي “من هنا أخذت الفكرة، استخدمت أولا كاميرا 16 مم ثم انتقلت إلى استخدام  كاميرا 8 مم. وكنت أستخدم كل البكرة. وكانت تستغرق ثلاث دقائق وعشر ثوان. وبدأت بتصوير الأشخاص بهذه الكيفية، ثلاث دقائق بلقطة واحدة ثابتة خالية من الكلام. صوّرت ضمن السلسلة شخصيات كبيرة وشهيرة منها: جان لوك غودار، كين لوتش، جان فرانسوا ليوتار، جوزيف لوزي، ناغيزا أوشيما وغيرهم”.

جيرار كوران: هدفي من "سينما تون" حفظ الذاكرة الفنية والثقافة من الاندثار
جيرار كوران: هدفي من "سينما تون" حفظ الذاكرة الفنية والثقافة من الاندثار

وعن سبب اختياره لشكل البورتريه، الذي ينجزه، يوضح جيرار كوران “كما في فن التشكيل أو النحت، حيث يوجد فن البورتريه الذي يهتم بتصوير شخصية محددة بشكل ثابت وواضح، اخترت الاشتغال على هذا الشكل سينمائيا، وأن يكون البورتريه صامتا مثل التشكيل والنحت تماما، ففي الصمت أضمن أن لا تختفي الشخصية خلف الكلام وتكون ظاهرة للمتلقي بحالة مرئية مجردة، يراقب المتلقي من خلالها حركات وسكنات الشخصية ويتعرّف عليها بالشكل الذي يستطيع فيه فهمها من خلال هذه الشرطية. فهي هنا شخصية متجردة تماما”.

ويسترسل “اخترت هذا المفهوم وطبقته على كل الشخصيات التي سجلت لها بذات الشروط. البورتهيات الأولى كانت لزملائي من الفنانين الفرنسيين الذين كنت أعيش بينهم ونحضر معا الكثير من الفعاليات السينمائية والفنية، وكنت أطلب منهم أن أقوم بتسجيل هذه البورتريهات. وعندما انطلقت وبدأت أعمل، اهتم البعض بهذه الفكرة، فعقدت العزم على المتابعة وهذا ما كان فعلا. وبعد أن لفت المشروع نظر الكثيرين  إليه، كنت أجمع كل عشر بورتريهات وأعرضها معا ضمن عروض سينمائية خاصة تهم البعض من المختّصين وكانوا يستقبلونها بحرارة”.

واستطاع كوران أن يسجّل حتى الآن 204 ساعة متواصلة، وباتت لديه في مكتبة المشروع تصنيفات وخيارات. كالشخصيات العربية أو السينمائية أو الأدبية أو الفنية وغيرها.

ويرى جيرار كوران أن مشروع “سينما تون” يقدّم فائدة بحثية سينمائية للذين يريدون توثيق العمل الإبداعي عامة، واالسينمائي خاصة، ويقول لـ”العرب”، “كان هدفي من المشروع حفظ الذاكرة السينمائية والفاعلين فيها بشكل خاص وكل الفنون من رسم ونحت وأدب وغيرها بشكل أعم. الكثير من هؤلاء نعلم عن أخبارهم، ولكن لا نعرف صورهم، لذلك ستكون هذه التسجيلات ذاكرة بصرية عنهم وسوف يستفيد منها باحثون في المستقبل لتكون ضمن أفكارهم الإبداعية التوثيقية”.

وعن عدد هذه البورتريهات التي سجّلها خلال هذه المسيرة الطويلة يبيّن كوران “وصل عدد التسجيلات حاليا إلى ثلاثة آلاف وسبعين شخصية على مستوى العالم منذ أن بدأت في تسجيل أول بورتريه، وكان ذلك في السابع من فبراير من عام 1978، إذ صوّرت حينها حارسة المبنى الذي كنت أعيش فيه، وهي الحالة الاستثنائية الوحيدة البعيدة عن المجال الفني الذي سرت عليه لاحقا”.

بعدها قام المخرج الفرنسي بتسجيل الآلاف من الشخصيات، وعبر عمر هذا المشروع، تم عرض كل التسجيلات دفعة واحدة في ثماني عشرة حالة، كان أحدثها في إنكلترا في أوائل أكتوبر الماضي، وقد تم عرض كل التسجيلات  بشكل مستمر واستغرق ذلك مدة عشرة أيام متواصلة.

وعن آفاق مشروعه ومدى الاتساع الزمني والمكاني الذي يخططه له، يقول  السينمائي الفرنسي جيرار كوران “بدأت العمل على هذا المشروع لكي لا أتوقّف، طالما بقيت حيا سأقوم بالتصوير والعمل على إعداد هذه التسجيلات التي ستكون لها أهمية قصوى، لاحقا، في العمل البحثي والتوثيقي للكثير من الشخصيات التي تصنع الإبداع والفن في زمننا الراهن”.

15