سينمائي فلسطيني يوثق الحنين إلى يافا الحضارة والتاريخ

فليم "يافا أم الغريب" للمخرج رائد دزدار يسرد حكايات بعض من عاشوا في يافا قبل أن تحلّ بها نكبة 948، وما صارت إليه بعد الاحتلال.
الأربعاء 2019/11/13
مدينة أنهكها الاحتلال

رائد دزدار، مخرج فلسطيني، اختص في السينما الوثائقية التي أنجز منها حتى الآن خمسة عشر فيلما، من بينها “السامريون على خطى موسى” و”شارع الأنبياء” و”هنا القدس” و”لن نرحل”، وأخيرا “يافا أم الغريب” الذي يوثّق فيه السينمائي الفلسطيني بالصورة والصوت حكايات لا تنضب عن “عروس فلسطين” التي تغيّرت أحوالها بعد نكبة عام 1948.

قدّم المخرج الفلسطيني رائد دزدار مجموعة من الأفلام السينمائية الوثائقية التي أرّخت للعديد من مفاصل الحياة الفلسطينية، وهو يستعرض في فيلمه الأحدث “يافا أم الغريب” تجربة سينمائية وثائقية تندرج تحت مسمّى سينما المقاومة.

وفي الفيلم الوثائقي الطويل (70 دقيقة)، يعيد  المخرج الفلسطيني دزدار تجميع بعض الشخصيات الفلسطينية من جديد، وهي التي خاض من أجلها رحلات بين المدن الفلسطينية، علاوة على الأردن ولبنان والإمارات، ليسرد حكاياتها مع يافا وما كانت عليه قبل أن تحلّ بها نكبة 1948، ثم ما صارت إليه “عروس فلسطين” بعد الاحتلال، وذلك من خلال إيقاع درامي يمزج بين التوثيق والشكل الروائي، الأمر الذي يضفي على العمل طابعا من الشجن والحنين.

عن التجربة واختياره لعنوان “يافا أم الغريب” تحديدا، يقول مخرج الفيلم لـ“العرب”، “يافا هي أكبر مدينة فلسطينية قبل النكبة، كان يسكنها حوالي مئة وعشرين ألف نسمة، وهي المركز التجاري والثقافي وبوابة فلسطين للمدن الداخلية وكذلك لمدينة القدس، حيث يأتيها الناس في موسم الحج. وكونها مدينة ساحلية، فقد حفلت بميناء اعتمدت عليه كل المنطقة. واشتهرت بزراعة وتصدير البرتقال، واستقر فيها السوري واللبناني والفلسطيني والأردني والمصري بغية العمل، وهي التي كانت على الدوام مرحبة بالغريب. يافا مدينة صهرت الجميع فيها وجعلتهم جزءا منها”.

صراع هوية

رائد دزدار: يجب أن نقوم بالعمل المطلوب لكي نحافظ على هويتنا وحقوقنا
رائد دزدار: يجب أن نقوم بالعمل المطلوب لكي نحافظ على هويتنا وحقوقنا

عن الجدوى من وراء إنجاز هذه الأفلام في حركة المقاومة السياسية والثقافية التي تقوم بها جهات عربية لتأصيل حقوق العرب في المنطقة ومدى انعكاس ذلك على طبيعة الصراع، يقول رائد دزدار “صراعنا مع الصهاينة قائم على الرواية، بمعنى من يقدّم روايته بشكل أفضل من حيث المحتوى، زائد الاستباق الزمني، هو الذي يكسب التعاطف الدولي في النهاية”.

ويضيف “يجب أن نقوم بالعمل المطلوب لكي نحافظ على هويتنا وحقوقنا. هم انطلقوا من شعار كاذب (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، واستطاعوا تمرير هذه الفكرة على الكثير من الأمم والمنظمات السياسية الدولية، وأنا من خلال أفلامي أثبت أن الشعب الفلسطيني كان موجودا وقد أقام حضارات، منها يافا والقدس وحيفا وغيرها. وهي مدن توفّرت فيها جميع أشكال الحياة، من سينما ومسرح ومقاه وصحافة. كل هذا موجود في يافا، لكن معظم العاملين بالسينما اهتموا فقط بالحالة الخارجية. البيت ليس حجارة فقط. بل حياة وذكريات وأحلام مسروقة وحقوق منتهكة، وكل هذه المعطيات لم نحك عنها سابقا، كما يجب”.

بني فيلم “يافا أم الغريب” على مجموعة كبيرة من الوثائق البصرية (سينما وصور فوتوغرافية)، بحيث كان المخرج يلجأ لتقديم وثيقة بصرية مع كل حالة يتحدّث عنها. ويرى رائد دزدار أن ذلك يساهم في دعم أفكار الفيلم عن حقيقة الحياة الحضارية التي كانت موجودة.

ويضيف “الأفلام التي استخدمتها، هي صور حقيقية عن يافا وهي صور تحصلت عليها من أكثر من مصدر، جزء منها من الأرشيف، والعمل استغرق مني حوالي الثلاث سنوات. فالصور عن يافا متوفرة بكثرة، خاصة تلك المتعلّقة بالميناء. أما عدا ذلك فغير موجود، لأن من هاجروا المدينة إثر احتلالها في العام 1948 من قبل الكيان الصهيوني تركوها في بيوتهم، كونهم اعتقدوا أنهم سيعودون بعد أيام. كما سرق جزء من هذا الأرشيف من قبل إسرائيل، الأمر الذي طمس بعضا من التاريخ الفلسطيني”.

ويؤكد المخرج الفلسطيني أنه وجد في الأرشيف البريطاني صورا عن يافا، اشترى جزءا منها، كما تمكّن من الحصول على بعض الوثائق من أناس حرصوا على الاحتفاظ بها وتناقلوها عبر الأجيال، فوجد فيها كنزا هاما دعم به فيلمه.

مدينة العرب

تجربة سينمائية وثائقية تندرج تحت مسمّى سينما المقاومة
تجربة سينمائية وثائقية تندرج تحت مسمّى سينما المقاومة

يتحدث رائد دزدار عن مسألة تثير عنده الكثير من الحزن، وهي أن معظم من شاركوا معه في الفيلم، قد رحلوا عن الدنيا خلال العام الماضي، كونهم كانوا طاعنين في السن “عندما نوثّق عن النكبة، مع الناس الذين وعوها نشعر بحزن شديد، لأننا مع الزمن نفقد هؤلاء، كنت في سباق مع الزمن عندما صوّرت فيلمي، وقد وُفّقت في الوصول إلى عدد كبير من هؤلاء الذين بقوا على قيد الحياة، كانوا حوالي العشرين شخصا”.

ويوضّح المخرج الفلسطيني لـ“العرب” أن البعض انتقد عدم تصويره لأبطاله في بيوتهم في عمّان أو دبي أو غيرها من العواصم العربية التي آوتهم واحتضنتهم إثر النكبة. قائلا “ببساطة، لأنني وددت أن أضع هؤلاء في مكانهم الطبيعي، أي في فلسطين، وأخلق حالة حنين بينهم وبينها”.

ويسترسل “كان جزء منهم من ميسوري الحال، في حين أن غالبيتهم فقراء، ولكي لا أظهر هذه الفوارق صوّرتهم في حالة واحدة. كان هناك رابط واحد يجمعهم، وهو أنهم ولدوا جميعا في يافا. والذي يُؤلمني أكثر أننا جاهلون بتاريخنا. يافا كانت محطة عبور ولقاء. وكانت مثال الوحدة العربية، حيث يجتمع فيها أهل الشام والعراق ومصر”.

ويعدّ المؤرخون مدينة يافا من أقدم المدن في تاريخ الساحل الشرقي للبحر المتوسط، أسّسها الكنعانيون قبل أكثر من أربعة آلاف عام. وكانت لفترات طويلة عنصرا حضاريا هاما في تاريخ فلسطين والمنطقة. هي ميناء مدينة القدس وكل فلسطين، حيث ترسو فيها سفن التجارة العالمية وكذلك سفن الحجيج إلى القدس.

كانت يافا حاضرة البر الفلسطيني والشامي عموما، وهي عاصمة ثقافية هامة وجدت فيها منذ بواكير عصر النهضة العربية دور السينما والمقاهي والمسارح والصحف. اُحتلت في العام 1948 من قبل الكيان الصهيوني، وصارت إداريا جزءا من مدينة تل أبيب، ويسكنها الآن عرب يشكلون ما نسبته خُمس سكّانها.

16