"سينما ألبرت" المشردون يصنعون أحلامهم وأفلامهم

الجمعة 2015/01/02
الفيلم يعبر عن منسيين استعادوا الحياة من خلال السينما

فيلم “سينما ألبرت” خلاصة واقع شخصيات من المشردين، أو في مراكز الإيواء لكبار السن، وهو واقع اشتغلت عليه المخرجة البولندية إينيسكا زويفكا في فيلمها الوثائقي، وكرسته لمجموعة من هؤلاء الناس المنسيين، إذ يقررون أن السينما ستنطق إنابة عنهم، وأن الصورة ستعلن بصوت عال أنهم أحياء وفاعلون أيضا، ولهذا عزموا على أن ينتجوا فيلما بجهودهم وبإمكاناتهم البسيطة.

تعمل المجموعة في نطاق فريق عمل متناسق، كل يأخذ دوره فــيما كاميرا إينيسكا تراقبهم عن كثب، وهم يجتمعون ويتبــادلون الأفكار في شأن الفــكرة والموضوع الذي سيتناولونه في فيلمهم الـذي مازال فرضية على الـورق أو في الأذهـان.

وكأنه تدريب على الوثائقي؛ نمو بطيء لفكرة الفيلم وتجسيدها واختيار أماكن التصوير، لقطات شتى على ساحل البحر في طقس قاسي البرودة، لكنه لا يمنعهم من أن يعيشوا سعادة بالغة، وهم ينفذون ما يحلمون به من أفكار ويجسدونها عبر تلك الصور.

فريق العمل يعلن عن نفسه: هينيك المصور، بوجمنت مساعد المصور، سيمون منسق الإنتاج وهو الذي عاش في الولايات المتحدة زمنا ليعود إلى بلاده محطما بعد اتهامه بتجارة المخدرات، ألكسندر الرجل الصامت المتخصص في الصوت، فرانك، وألوس وغيرهم، إضافة إلى مدير مركز الإيواء داريك الذي يكنّونه بالرجل الطيب.

من المفروض أن تمطر السماء في المشهد، وتحت المطر ثمة حدث وحوار صاخب، ولكنه مطر مصطنع من أنبوب مطاطي للماء في حديقة الملجإ، وعامل اللحام يقوم بصنع برق وهمي، والكهول يضحكون ملء قلوبهم وهم يشعرون أنهم صنعوا المشهد بشكل ما.

الوثائقي المندمج بالواقع والواقعية، هو هذا الذي نشهده من خلال إنتاج تلك المشاهد البسيطة

الرحلة اليومية للتصوير تنقلهم إلى قلب المدينة، يلفتون نظر المارة وهم يصنعون مشهد سرقة أحدهم وملاحقة اللص والقبض عليه، فالانتقال إلى مدينة أخرى، وفي القطار ثمة قصص أخرى وفصول من حياة الشخصيات التي يتملكها الإصرار لإنجاز الفيلم بالشكل والمحتوى الذي يحلمون به.

الوثائقي المندمج بالواقع والواقعية، هو هذا الذي نشهده من خلال إنتاج تلك المشاهد البسيطة، المشاهد التي ينمو فيها الفيلم ويكبر وتتتابع مشاهده تباعا، فيما المجموعة تنتـقل من مكان إلى مكان ومن حدث إلى حدث.

المجموعة في المطعم، في مركز الإيواء، الجميع يتناولون طبقا متشابها، ويشتركون أيضا في مناقشة شبه يومية لما وصلوا إليه، يناقشون ويختلفون، ثم يتفقون على ما توصلوا إليه، وأخيرا ما عليهم إلاّ أن ينجزوه بعد ذلك.

ربما كانت هذه الميزة الجماعية للوثائقي هي ملمح آخر، ميزة التفاعل الخلاق بين الشخصيات والواقع، في إطار من العفوية التامة، الأشخاص غير المحترفين الذين وجدوا في الكاميرا والصورة، العين التي تراقبهم واللسان الناطق الذي يعبر عنهم، هذا هو باختصار ما يتكثف من تتابع المشاهد الفيلمية، نوع من الوثائقية الأكثر قربا إلى الإنسان في حياته اليومية منها إلى التمثيل المجرد.

تدرك المخرجة إينيسكا هذه الخلاصة المهمة، وهي تطوف بفيلمها العديد من المهرجانات، تصرّح مرارا أنها واكبت وعايشت شخصيات وجدتهم جديرين بالحياة، وجديرين بأن تكون الشاشة ملاذهم للتعبير عن أنفسهم، لا سيما وأنهم يعيشون شبه معزولين عن المجتمع وعن عائلاتهم في مركز الإيواء أو دار المسنين.

ويتجسد الحوار بين جيلين من خلال لقاء “لازيك” الأب والابن بعد سنوات طوال من القطيعة ليجمعهم الفيلم، يفرح الابن لسماع أن أباه الذي يعيش منذ زمن في مركز الإيواء قد صنع فيلما، فهو صاحب الفكرة والسيناريو، وهو الممثل ومساعد المخرج، ولهذا يأتي مسرعا ويتحقق اللقاء.

ثم تحضر عائلات صانعي الفيلم العرض الأول الخاص للفيلم في احتفالية خاصة، يروي كل قصته ودوره في صنع الفيلم وسط دهشة الجميع، أحقا قد وفقوا في صناعة فيلم؟ أحقا قد نجحوا في اجتذاب كل هذا الجمهور العريض من الناس الذين احتفوا بهم، وقدّموا لهم باقات الورد، وأنهم جديرون بأن يصعدوا على خشبة المسرح في صالة العرض ليتحدثوا عمّا أنجزوه؟

الرحلة اليومية للتصوير تنقلهم إلى قلب المدينة، يلفتون نظر المارة وهم يصنعون مشهد سرقة أحدهم وملاحقة اللص والقبض عليه

هذه الخلاصة التي عاشتها الشخصيات المنتشية بمنجزها، بعدما عاشوا فصولا شائقة مرت بهم، وهم يعبّرون عن أنفسهم من خلال ذلك الفيلم الأكثر عفوية وقربا من الحياة.

في البناء الفني للفيلم تجد أن هذا الوثائقي، ما هو إلاّ بناء تعبيري لخطين متوازيين؛ الخط الذي مثله الفيلم المنجز من قبل المجموعة، والفيلم الأصلي الذي أنجزته المخرجة إينيسكا وعملها، وبين العملين الوثائقيين سنكون أمام كثافة تعبيرية ملفتة للنظر مثلها الشكلان الفيلميان، وهما يسبران في غور تلك الحياة.

حياة الوحدة والوحشة والعزلة التي ساهمت الشاشة والسينما والصورة والوثائقي في الخروج منها بعمل متكامل، تجد فيه نبض الحياة ونبض الشخصيات وحياتها وأفكارها وتجلياتها في كل متكامل، وثائقي تجد فيه صدق اللحظة وعفويتها أكثر من كونه خطابا مباشرا عن حياة يومية رتيبة، لبضعة أشخاص يعيشون في عزلتهم وفي حياتهم الرتيبة.

16