سينما الخيال العلمي.. العلم في مواجهة القوى الخارقة

الاثنين 2013/11/11
السينما فضاء استباقي لعالم الغد

ثمة معطيات أساسية بارزة تميّز أفلام الخيال العلمي عن سواها من الأفلام الروائية أو الوثائقية تنحصر في الوحدات الأرسطية الثلاث "الزمان والمكان والحدث"، هذا إضافة إلى الشخصيات التي تشكل وحدة رابعة من وجهة نظرنا.

في الإطار الزمني يغوص فيلم الخيال العلمي صوب المستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد، كما هو الحال في فيلم "فهرنهايت 451" لفرانسوا تروفو الذي يصوّر قصة نظام شمولي يقوم بغزو العالم في المستقبل ويقدم على حرق الكتب بدرجة حرارة 451 فهرنهايت، غير أنّ رجل الإطفاء "مونتاج" يقوم بمطاردة فتاة تدعى كلاريس، لكنها تغريه بقراءة رواية جميلة فتُوقعه بحب التراث الإنساني العريق. ثمة أفلام كثيرة تدور في هذا الإطار نذكر منها "متروبوليس" لفريتس لانغ، و"كوكب القرود" لفرانكلين. ج. شافر، و"ماتريكس" لأندي ولاري داكوسكي.


أرض وسماء

إن الإطار الزمني الذاهب صوب المستقبل القريب أو البعيد لا يمنع مخرجي أفلام الخيال العلمي من النكوص إلى الوراء في إستعادات ذهنية، كما هو الحال في فيلم "تأثير الفراشة" لأريك بريس، حيث يعود إيفان إلى طفولته حينما يقرأ اليوميات التي كتبتها أمه قبل فقدانه للوعي، وما أن يشرع بقراءة اليوميات حتى يكتشف قدرته على العودة إلى الماضي البعيد والتحكّم به بشكل من الأشكال.

أما الإطار المكاني لسينما الخيال العلمي برمتها فهي تفضّل أن يكون فضاءها المكاني في أحد الكواكب السيّارة أو في أماكن خيالية كالأبعاد المتوازية، ولا تجد حرجا في أن تكون الأرض مسرحا لحوادثها. وقد ينوّع مخرجو سينما الخيال العلمي في مواقعهم، فبعضهم يختار باطن الأرض أو أنفاقها أو سراديبها، بينما يختار البعض الآخر غاباتها الشائكة الملتفة الأشجار، في حين يذهب آخرون إلى مقابرها ومعابدها وأهراماتها بحسب الثيمات التي يعالجونها ويتعاطون معها، كما في فيلم "اليوم الذي استقرت فيه الأرض" لسكوت دريكسون، فحينما يلمس متسلّق الجبال كيانو ريفز كرة مرمية بين الثلوج يغيب عن الوعي، وحينما يستفيق يجد أن الكرة قد اختفت وأن هناك علامة على يده. وفي الإطار ذاته لابد من الإشارة إلى فيلم "يوم الاستقلال" لرونالد إيميريش، حيث تهاجم سفن فضائية قادمة من كواكب أخرى، لكن القوات الأميركية تعطّلها بأحد الفايروسات وتُسقطها جميعا وتُنقذ الأرض من دمار مُحقق.

ثمة أفلام أخرى تتخذ من الفضاء الخارجي مسرحا كاملا لأحداثها كما هو الحال في فيلم "2001: أوديسا الفضاء" لستانلي كوبريك، حيث تتعامل القصة السينمائية مع سلسلة من المواجهات بين البشر وكتل سوداء غامضة تؤثر على تطور الإنسان. ينقسم هذا الفيلم إلى أربعة أقسام تبدأ بـ"فجر البشرية" وتنتهي بـ"ما وراء الأبدية"، أما الفضاء الوسطي فيتأثث بالرحلة إلى المشتري، حينما تتحول العظْمة إلى مركبة فضائية عملاقة ويتم اكتشاف النُصب الكبير الغامض، ويبدأ الصراع بين الحاسوب الآلي والعقل البشري الذي ينتصر في خاتمة المطاف على العقل الإليكتروني، على الرغم من ضعف الكائن البشري أمام أسرار الحياة والموت.


شخصيات عجائبية


تتنوع شخصيات أفلام الخيال العلمي لكن غالبيتها تتكوّن من الغرباء "Aliens" القادمين من الفضاء الخارجي، أو الروبوتات أو الكائنات الأوتوماتيكية "Androids" أو المسوخ والكائنات الغريبة التي تبدو مشوّهة، وربما لا تتوافق مع توقعات الكائن البشري الأرضي.

إن ما يلفت النظر في سينما الخيال العلمي هو التكنولوجيا المستعملة التي تبدأ بالليزر وأجهزة الكومبيوتر المتطورة، ولا تنتهي بالمركبات الفضائية والصحون الطائرة، وأحدث المدافع والطيارات والقاصفات والراجمات، ويكفي أن نشير هنا إلى فيلم "أفتار" لجيمس كاميرون الذي دارت أحداثه في كوكب "باندورا"، حيث تعيش كائنات "النافي" الزرقاء المسالمة قبل وصول البشر الباحثين عن معدن ثمين.

لا تقتصر أفلام الخيال العلمي على الموضوعات آنفة الذكر، وإنما تتعداها إلى رصد القدرات الخارقة مثل السيطرة على العقل البشري، والتخاطر، وتحريك الأشياء بواسطة النظر أو التركيز الذهني، والتواجد في مكانين في آن واحد، والسفر بين الكواكب والمجرات، هذا إضافة إلى حرب النجوم، وغزو الفضاء الخارجي، والرحيل عبر الزمن، والانتقال بأسرع من سرعة الضوء وغيرها من الأمور التي تبدو عجائبية، ولا نريدها أن تختلط بالفنتازيا التي تعتمد على قوى سحرية أو فوق طبيعية.


سايكودراما


ربما يكون "الديجا فو" هو أحد الموضوعات الشيقة التي يتعاطى معها مخرجو سينما الخيال العلمي، وربما يكون فيلم "ديجا فو" نفسه هو خير مثال لما نذهب إليه في هذا المضمار، إذ بذل المخرج توني سكوت جهدا كبيرا في التركيز على هذه الثيمة الذهنية والنفسية في آن معا، فثمة أشياء كانت تبدو لبطل الفيلم دنزل واشنطن وكأنه رآها أو شعر بها سابقا أو زارها من قبل. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى بعض الأفلام السايكودرامية مثل فيلم "سولاريس" لأندريه تاركوفسكي الذي يتحدث عن الفقد والذاكرة والتوق، فرائد الفضاء الذي فقد زوجته يجدها على الكوكب الذي أُرسل إليه من قبل وكالة الفضاء للتحقيق في حوادث غامضة.

وفي الختام لا بد من التنويه بأن غالبية أفلام الخيال العلمي تركز على موضوعات عديدة تشغل بال الكائن البشري، من بينها أن الكرة الأرضية قد تتعرض إلى غزو فضائي يدمر كل الكائنات البشرية الموجودة على سطحها، لكن الحياة سوف تنبعث من جديد، ويكفي أن نشير هنا إلى فيلمي "العنصر الخامس" للوك بيسون و"بليد رانر" لريدلي سكوت، حيث يلاحق الشرطة هذه الكائنات الفضائية الغازية لكي ينقذوا الأرض من شرورهم العظيمة.

16