سينما الدولة.. هل تعود من جديد في مصر؟

السينمائيون يطمحون إلى معالجة جادة وحقيقية لأزمة السينما المصرية كفن وصناعة في الوقت نفسه.
الثلاثاء 2018/03/13
"المومياء" أحد أهم الأفلام المصرية الرائدة

القاهرة - أمر مُبشّر للسينمائيين في مصر أن تلتفت الدولة ممثلة برأس قيادتها السياسية إلى “الفن السابع” بهدف الارتقاء به، وأن تأخذ وزارة الثقافة المصرية على عاتقها مسؤولية تفعيل المقترحات والرؤى الداعمة للفن السابع وتحويلها إلى تطبيقات عملية ومشروعات يمكن تنفيذها لدعم السينما ومواجهة مشكلاتها الحقيقية.

والأمر الأهم، بعد المبادرات الجادة والنوايا الطيّبة أن تمضي الجهود في المسار السليم المواكب لتحديات العصر، وأن يتم التخطيط والإنجاز بمعرفة مختصّين، وأن تؤخذ في الاعتبار التطوّرات المذهلة والتقنيات الحديثة التي تعتمدها السينما في البلدان المتقدّمة في هذا الفن.

فهل تتحقق أحلام وزارة الثقافة المصرية، بقيادة الوزيرة إيناس عبدالدايم، في انتشال السينما المصرية من كبوتها، استنادا إلى توصيات اللجان الفنية المختصّة ودعم القيادة السياسية، أم يتحطّم الحلم مرة أخرى على صخرة البطء الحكومي في تخصيص المقرّرات المالية؟

مشكلات لا تحصى

معلوم أن السينما المصرية التي تجاوزت القرن من الصناعة والإنتاج، عانت في السنوات الأخيرة العديد من المشكلات التي جعلت القطاع، الذي كانت مصر رائدته على المستوى العربي، يرتدّ إلى مراتب دونية، ولعل من أبرز هذه المشكلات تدخّل نجوم الأفلام في كتابتها وإخراجها وتفصيلها على مقاسهم، وعودة المضمون الذي كان سائدا في أفلام المقاولات، مع سيطرة الابتذال والعنف و”الإفيهات” والدراما الرخيصة، على نحو غير مسبوق.

تعاني صناعة السينما، التي شهدتها مصر منذ أكثر من 120 عاما، منذ سنوات من مشكلات لا حصر لها، منها سيطرة قلة من المحتكرين و”أهل السوق” من غير الفنيين على الإنتاج، وانحسار دور العرض وتراجعها، يضاف إلى ذلك الفقر التكنولوجي في المعدات والأستوديوهات وجميع عناصر الصناعة، إلى جانب ضعف ميزانيات الأفلام على الرغم من ارتفاع أجور أبطالها، الأمر الذي جعل كل المهتمين بالقطاع يتحركون من أجل إعادة إشعاع القوة الناعمة لمصر

وهناك أمور أخرى أيضا، من قبيل تسريب الأفلام الجديدة وإذاعتها عبر يوتيوب أو القنوات الفضائية “الطفيلية” غير المعتمدة، ووجود سيف الرقابة الذي قد يُستخدم ضد أفلام دون أخرى، وارتفاع تكلفة التصوير في الأمكنة الأثرية والسياحية لمن أراد إنتاج فيلم جاد، علاوة على سيطرة بعض المحتكرين من غير الفنيين على الإنتاج، وضعف ميزانيات الأفلام على الرغم من ارتفاع أجور أبطالها، وانحسار دور العرض، والعشرات من المشكلات والمعوقات الأخرى.

ويأمل السينمائيون في أن تكون الدولة على دراية كاملة بهذه الملابسات، من أجل رسم خارطة إصلاح ونهوض شاملة لفن السينما المتعثر، وإعادة الحياة إلى صناعة تكاد البطالة تسيطر على قوامها.

ووسط هذه الآمال تتجلى تخوفات عدة، مثل ضعف الميزانيات الحكومية المخصّصة لمثل هذه الشؤون، وإسناد المشروعات الإصلاحية إلى إداريين وموظفين لا إلى فنيين، وغياب الرؤية الكلية للمشهد، إذ يجري التركيز على جانب دون بقية الجوانب الأخرى، واعتماد خطط التطوير على آليات قديمة ربما صلحت نسبيا في زمن قديم، لكنها لم تعد مناسبة.

والمتابع للشرارة التي أضاءت مشهد الاهتمام الرسمي بصناعة السينما بمصر يجدها انطلقت في مؤتمر الشباب في يوليو الماضي بالإسكندرية في جلسة “صناعة الدولة الفاشلة.. آليات المواجهة”، التي صرح فيها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن استعداد الحكومة لتقديم الدعم المادي لصناعة السينما، بهدف “تثبيت دعائم الدولة، ومواجهة محاولات إضعاف وهدم الوطن، ورسم إستراتيجية متكاملة لإنتاج سينمائي ينمي الشعور الوطني”.

وتبلورت دعوة الرئيس في صيغة مبدئية، من ملامحها تشكيل فريق عمل يضم المنتج مدحت العدل إضافة إلى آخرين لطرح تصوّر محدّد في هذا الاتجاه، وأعلن الرئيس بوضوح عن استعداد وزارات الدولة المختلفة لتقديم العون من أجل النهوض بالسينما.

ويؤكد الرئيس السيسي في مناسبات متعدّدة إيمانه بمكانة وأهمية السينما، وقال في يناير الماضي على هامش مؤتمر “حكاية وطن” إن الأعمال السينمائية الجيدة “يؤجّر أصحابها”، وأنه يتألّم من وجود ألفاظ غير لائقة بالسينما، حيث أن السينما الحقيقية النظيفة هي التي تدعو إلى الأخلاق وترسّخ الثوابت المجتمعية.

وبدوره، قدّم مدحت العدل خطوطا عريضة لتصوّراته حول المسار الإصلاحي، بهدف إعادة الفاعلية للسينما وقوة مصر الناعمة، منها إنتاج أفلام عن حرب أكتوبر وعن الثورات والشهداء المصريين، وحماية المنتج السينمائي من سرقات الفضائيات، وتوجيه مضمون الأفلام الجديدة إلى التنوير وتغيير المجتمع، وأن تكون هذه الأفلام حائط صد لمخططات إفشال الدولة.

وفي نوفمبر الماضي أوصت اللجنة التي يرأسها العدل من أجل بحث العقبات التي تواجه السينما في تقرير لها قدّمته للرئيس السيسي، بضرورة التكريس لإنتاج أعمال تنويرية لمحاربة التطرف والظلامية التي تعيد القطاع إلى الوراء.

ودعت اللجنة الدولة إلى مساندة الأفلام الجادة وتوفير الحماية لها، وسن قوانين من أجل منع القنوات التي تسطو على الأفلام، فضلا عن تيسير إجراءات التصوير، وزيادة الدعم المقدّم من وزارة المالية للمركز القومي للسينما إلى 50 مليون جنيه سنويا على الأقل (2.84 مليون دولار)، كما حثّت اللجنة على تسهيل بناء دور السينما في محافظات مصر المختلفة، وناشدت القنوات الفضائية لشراء المزيد من الأفلام المصرية.

وعلى صعيد مواز، دخلت وزارة الثقافة المصرية على الخط انطلاقا من التوجيهات الرئاسية، وأكدت إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة اهتمامها الدائم بتطوير صناعة السينما باعتبارها اللغة الأرقى لمخاطبة الشعوب.

وكان حلمي النمنم وزير الثقافة السابق، صرّح في أعقاب الاهتمام الرئاسي بملف السينما بأن الوزارة تخطّط بشكل جاد لتأسيس شركة للسينما، بهدف إنقاذ السينما ممّا هي فيه من أمراض، وإنتاج أفلام “ترتقي بوعي المصريين”.

وعلى الرغم من دعم القيادة السياسية وتحمّس وزارة الثقافة، فإن ملف انتشال السينما من أزمتها لا يُدار بالسرعة الكافية، إذ تتباطأ وزارة المالية في تخصيص المقرّرات اللازمة لتطوير صناعة السينما، كما تتباطأ وزارتا الاستثمار والتخطيط في الالتفات إلى السينما، ولا تملك وزارة الثقافة ولجانها الفنية غير التوصيات والتوجيهات.

ولا شك أن توجه الدولة بالنظر والرعاية والدعم لفن السينما على نحو أكثر جدية سيكون له مردود إيجابي، ليس فقط على المنتج الفني الذي ستقدّمه الدولة بل على سينما القطاع الخاص، إذ ستنصرف شرائح من الجمهور إلى متابعة نوعية أخرى من الأفلام غير السائدة في الوقت الحالي، بما سيدفع صناع السينما إلى إعادة حساباتهم.

ومن مخاوف المتشكّكين في قدرة الدولة على إنعاش السينما، بخلاف التباطؤ في تخصيص المقرّرات المالية أن العناوين العريضة التي تردّدت بشأن الإصلاح السينمائي تكاد تكون مقترنة حتى الآن بمضمون الأفلام فقط، أي بالرغبة في توجيهها تثقيفيا وربما سياسيا دون بقية مشكلات صناعة السينما، وما أكثرها.

وزارة الثقافة المصرية تحلم بانتشال السينما من أزمتها، وهناك بطء من "المالية" في تخصيص المقررات

ومن المخاوف أيضا، أن إنشاء شركة للسينما قد يبدو حلا ماضويّا يعيد إلى الأذهان تجربة القطاع العام في القرن الماضي، حينما أسّست وزارة الثقافة “المؤسسة العامة للسينما” وانتهت التجربة بفشل ذريع، رغم ما أنتجته من بعض الأعمال المهمة.

حلول حقيقية

يطمح سينمائيون إلى معالجة جادة وحقيقية لأزمة السينما المصرية كفن وصناعة في الوقت نفسه، وهذا يمكن أن يتم دون إنتاج رسمي للأفلام أو تحكم مباشر من جانب الدولة في فنيات الأعمال، إذ يمكن للدولة مثلا دعم الصناعة ككل وتقديم تسهيلات كبيرة وإعفاءات للعاملين في المجال، وإلغاء الكثير من القيود وتوسعة الفضاء للحريات والجرأة في التعبير، وإتاحة المزيد من دور العرض وأستوديوهات التصوير وإقامة مهرجانات دولية وأسابيع سينمائية لتبادل الخبرات، وما إلى ذلك.

وإذا سلكت الدولة مثل هذه المسارات التي تنظر إلى السينما كمنظومة كبرى، فمن الممكن التخلّص من مشكلات السينما المستعصية التي تتمثل أبرز تجلياتها في الاحتكار الإنتاجي والفقر التقني والفني وتهافت العرض وضعف الحضور الجماهيري وغياب القضية والابتذال المضموني وابتزاز الجهات الإدارية والسطو على أعمال أجنبية تحت مسمّى الاقتباس، ما جعل السينما واجهة مسيئة للدولة في الكثير من الأحيان.

16