سينما السيرة الذاتية الوجه الآخر للإنسان

صناعة البطل على الشاشة تبنى على تاريخه الشخصي.
الأحد 2021/03/07
شخصيات ثرية تغري السينمائيين

يا ترى ما هو مستوى المصداقية في تقديم سينما السيرة الذاتية، تلك الصور والوقائع والتواريخ المخبّأة، تلك الإرادات المجهولة والنزعات الإنسانية التي غلّفها الماضي بغلافه ووضعها في متحف الزمان أو متحف النسيان، ثم جاءت السينما لتعيد الحياة إلى تلك التفاصيل والذكريات والماضي الغامض وتجسّده صورا على الشاشات؟

يتحرج الكثيرون من سينما السيرة الذاتية وخاصة كتّاب السيناريو والمخرجين ممّن زجّوا بأنفسهم في دوّامة هذا النوع الفيلمي الذي يستوجب قدرا كبيرا من الموضوعية والبحث في موازاة عدم الرضا الذي يعبّر عنه المعنيون بتلك السير في مدى مصداقيتها ومطابقتها للواقع ومدى وفائها للحياة الحقيقية للشخصيات.

ابتداء من غاندي للمخرج اتنبورو ومرورا بسيرة تشي للمخرج ستيفن سوديبرغ وفيديل للمخرج ديفيد أتوود، وموت ستالين للمخرج أمانو لا نوتشي، هنالك المزيد من قصص البيوغرافيا التي تحفل بها السينما في إطار بحثها عن القصص الأكثر تفاعلا وتعبيرا عن الواقع واجتذابا للمشاهدين.

في موازاة ذلك هنالك مرآة السيرة الذاتية، وكيف يراها الآخرون من وجهة نظرهم، وإلا كيف سيكون شكل ومحتوى اثنين من أشد الطغاة على مستوى العالم، وهما هتلر وستالين اللذان تسببا في موت ملايين البشر وأبقيا فجيعة إنسانية لا تكاد تنتهي أصداؤها.

فما بين المغامرة والخوف بين زمني هتلر وستالين تقدم المخرجة البولندية المخضرمة آكنيسكا هولاند قصة هي بمثابة مرآة للسيرة الذاتية لصحافي لعب مع الكبار، وذلك في فيلم مستر جونز، والقصة تعود بنا إلى ثلاثينات القرن الماضي ومستر جونز هو صحافي دون الثلاثينات من العمر، وقد عاد مزهوا بنجاحه في إجراء مقابلة صحافية مع هتلر إبّان صعود جمهورية الرايخ الرابع، وهو يعرض استنتاجاته أمام نخبة المجتمع البريطاني بحضور رئيس وزراء بريطانيا آنذاك لويد جورج.

على هذا ستتجسد أمامنا شخصية درامية بامتياز، حيث يقود العالمَ أربعة أقطاب، هم: روزفلت في الولايات المتحدة وجوزيف ستالين في الاتحاد السوفييتي ولويد جورج في بريطانيا ورابعهم أدولف هتلر.

جماليات السيرة الذاتية في هذا الفيلم تقترب من التوثيق، لكنها تتنوّع من خلال البيئات المتنوعة والأحداث، جماليات مشبعة بالحياة ولو بمعناها السلبي والمرتبط بالأزمة. ولكنها على أيّ حال جماليات الذات الحقيقية العابرة للخوف والمصالح باتجاه الإنسان المجرّد والحقيقة الكاملة.

عقود مرت على اغتيال القائد الأميركي والأفريقي الأصل مالكوم إكس، ومع ذلك لا تزال سيرته تجتذب السينمائيين، وهو الذي ولد في مايو 1925، واغتيل سنة 1965، مدافعا عن الحقوق والحريات وضد الفصل العنصري والعرقي ضد السود.

Thumbnail

في عام 1992 أنتج فيلم مهم عن سيرته ومن بطولة النجم دينزل واشنطن، ومن إخراج سبايك لي، وهنا قصة اخرى تتعلق بصناعة البطل على الشاشة بناء على معطيات تتعلق بتاريخه الشخصي، بما يستوجبه ذلك من الوفاء للتاريخ من جهة وعدم المبالغة والإسراف في تبجيل الشخصية وهي موازنة إشكالية مركبة تتطلب وعيا بهذا النوع الفيلمي المختلف.

انعكاسات ذلك بدت جليّة في قصص السير الذاتية التي واكبت شخصيات أخرى، واكبت ظهور مالكوم إكس حتى انتهاء حياته، ومن ذلك فيلم سيلما للمخرج آفا دوفرتي، بكل الخلاصات المشار إليها آنفا، و”سيلما” هي مدينة تقع على حزام مناطق السود في ولاية ألاباما في الولايات المتحدة، وهي التي انطلقت منها شرارة الثورة للمطالبة بالحقوق المدنية للسود: الحق في التصويت والترشح والمساواة مع البيض، وهي الحركة التي قادها الثائر الكبير وقائد حركة التحرر والحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ عام 1965.

ومن هنا سوف نكون مع مقتربات السيرة الذاتية للمناضل التاريخي الشاب مارتن لوثر كينغ، الذي أفنى شبابه وحياته من أجل الوصول بأبناء جلدته إلى الحرية والمساواة والحقوق المدنية كاملة غير منقوصة، وخاض صراعا مريرا لسنوات طوال ضد السلطات، حتى اغتياله في العام 1968، فيما هو ينادي “أنا عندي حلم”.

يركز الفيلم في بنائه السردي على حركة “سيلما” للحقوق المدنية التي صارت علامة فارقة في تاريخ النضال الإنساني، والتحم فيها البيض مع السود، ولاسيما بعد أولى المسيرات الاحتجاجية التي انطلقت في تلك المدينة النائية، والتي انتهت بمقتل وإصابة الكثير من السود الذين شوهدوا على الشاشات وهم يطاردون بالهراوات ويضربون بالرصاص، ويتعرضون لآلة القتل والتعذيب الوحشية التي لا تميّز ما بين كبير وصغير ولا بين امرأة ورجل.

أما إذا عدنا الى هوامش السيرة الذاتية لمارتن لوثر كينغ (الممثل ديفيد أيدلو) في هذا الفيلم ابتداء من تسلم جائزة نوبل للسلام في العام (1964)، أي من النهايات ومرحلة التتويج والنصر، سنعود معه إلى البدايات الأولى لانطلاق شرارة الثورة، لاسيما وهو الرجل المثقف والمحاور والمتحدث والخطيب اللبق، وها نحن نشاهده في مشهد لافت أثناء لقائه برئيس الولايات المتحدة إبان تلك الحقبة، الرئيس ليندون جونسون (الممثل توم ولكنسن).

تلك الوقائع في هوامش السيرة الذاتية تبدو في الواقع هي الأقرب الى ذائقة ووعي المشاهد، والأمر يتعلق بالكيفية التي تتم من خلالها إعادة بناء الأحداث ومواقف الشخصيات في موازنة دقيقة حساسة بما كان من سيرة وما هو كائن من خطاب سينمائي.

15