"سينما الصندوق الأسود" مزاج مرح بين الكتاب والفن السابع

الخميس 2014/05/08
الزوار يجعلون من واجهة الصندوق جدارية فنية حية

أبوظبي - “سينما الصندوق الأسود” جناح مختلف ومغاير في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الرابعة والعشرين المنتهية فعالياته مؤخرا؛ جناح يشدّك إليه ببساطة بهرجه الجامع بين الجمالية والنجاعة، جمالية “الديكور” ونجاعة الفكرة.

أول ما يلفت الانتباه في الرواق الأسود لونا، المزهر والمحلّق فكرة، أنّ واجهته الخلفية، كتب عليها باللغتين العربية والأنكليزية جملة “اكتبها معنا، سينما”، لتجد كل مار بالجناح سواء كان مواطنا أو مقيما أو زائرا، يقتطع ورقة ويخط عليها ما يحلو له، ثم يلصقها على الواجهة: “أحبّ السينما”، “يعيش الفن السابع”، “السينما تعني الحب”، “الإمارات صانعة الأمجاد” وغيرها..

أوراق صغيرة صفراء، حمراء، وردية وخضراء.. صنعت في تراصّها العفوي مشهدية بصرية في شكل جدارية فنية حية، تقحمك طوعا في ألوان السماء السبعة، وما اللون والتركيب إلاّ الفن السابع أصلا.

مسكت قلمي واقتطعت ورقة وكتبت “من يحبّ الحياة يذهب إلى السينما”، وألصقتها كغيري من المنبهرين بهذه الفكرة في ركن من الواجهة، قبل أن تستقبلني بحفاوة سندة ريحاني إحدى المشرفات على الجناح، والتي اكتشفت صدفة، أو بالأحرى هي من اكتشفت أنني تونسي، وهي أيضا، من خلال لفظة محلية خرجت عفوا من بين شفتيّ وأنا أشكرها على حفاوة الترحيب: “يعيشك”، فقالت: أنت تونسي؟ قلت: نعم وأنت؟ فأجابت بابتسامة عريضة: “بنت بلادك”؟

أبو ظبي بلد الوافدين، حيث حدّثني صديق إماراتي تعرّفت عليه أثناء زيارتي، أنّ أبوظبي فيها ما لا يقل عن 130 جنسية، وأما دبي ففيها أكثر من 200 جنسية، وكلهم في تجانس وتسامح وتلاقح على مستوى حضاريّ قلّ ما تراه في مكان آخر.

سندة ريحاني قدمت لي الجناح بكل تفاصيله، فهو يحتوي على 42 مقعدا يعرض 15 فيلما إماراتيا قصيرا ما بين ‏روائي ووثائقي وتحريك، تُعاد في أوقات مختلفة طوال أيام المعرض التي امتدت من 30 أبريل الماضي وإلى غاية الخامس من مايو الجاري.

هذا علاوة على برنامج الورش والندوات المصاحبة كالندوة التي قدمها المخرج المصري يسري نصرالله، بعنوان “المخرج السينمائي والكتابة”، والتي تناول فيها رحلته في عالم الكتابة، وكيف يتعامل مع كُتاب السيناريو الآخرين. وقدم المخرج الإماراتي الشاب نواف الجناحي ندوة عن “السينما الإماراتية.. الخطوة الأولى” استعرض فيها تاريخ الحراك السينمائي الإماراتي ومكوّناته الآن.

نواف الجناحي: نسعى من خلال"سينما الصندوق الأسود" إلى إمكانية تطوير هذه التجربة وأساليب خلق جمهور للسينما الإماراتية

تسترسل ريحاني في استعراضها: “أما سلسلة الورش فقد أدار السيناريست الإماراتي محمد حسن أحمد ورشة “السيناريو.. الصورة أولا”، وقدم السينمائي والروائي البحريني فريد رمضان ورشة “السيناريو.. البناء السردي”، كما قدم لطفي بن الشيخ عرضا عن أساسيات التمويل الجماعي للسينما والأعمال الإبداعية عموما انطلاقا من تجربة “أفلامنا”.

وكنت قد حضرت في هذا الإطار ورشة عن “مبادئ النقد السينمائي” التي قدمها الناقد المصري أحمد شوقي، مقدّما ورشته بطريقة حكائية مع الاستعانة بشاشة العرض التي كانت تعرض أبواب مداخلته، فقط، في حين كنت أنتظر وهو المتحدّث عن السينما وحراكها وصورها وإبهارها ومدارسها، أن يستعين بالصورة أكثر من القول والكتابة، فالصورة قادرة على الوصول إلى قلب المتلقي أسرع وأنجع من أي خطاب تقني أو أكاديمي.

من المبادرات الرائدة في “سينما الصندوق الأسود” أنها تتيح لكل زائر للمعرض وفي حالة اقتنائه لكتاب متخصص في السينما من دور النشر المشاركة، حرية اختيار فيلم من قائمة العروض لمشاهدتها في الوقت الحر للسينما، وذلك بشكل يومي من الساعة الثانية ظهرا حتى الخامسة مساء بالتوقيت المحلي للإمارات.

هو سعي من إدارة المعرض والجهة المشرفة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة للممازجة بين الكتاب والسينما، كيف لا والسينما العالمية والعربية قد احتفت بالعديد من الروايات التي خطت بين دفتي كتاب، لتأتي الكاميرا وتجعلها ناطقة متحركة وخالدة.

نواف ‏الجناحي المكلف بمشروع “سينما الصندوق الأسود” وصاحب شريطي “الدائرة” و”ظل البحر”، وبالمناسبة كنت قد شاهدت الشريط السينمائي الطويل “ظل البحر” لصاحبه الجناحي في الدورة الأخيرة لأيام قرطاج السينمائية الـ24.

شريط يحكي قصة منصور وكلثم، المراهقين (16 عاما)، في أحد أحياء رأس الخيمة الشعبية، حيث العادات والتقاليد والثقافة المحلية تجعل من التعبير عن المشاعر بحرية أمرا صعبا، الفيلم رحلة لاكتشاف الذات وسط أجواء عائلية وقيم مرتبكة.

الجناحي جمعني به أكثر من لقاء على مدار أيام المعرض السبعة، طاقة من النشاط والحيوية والإيمان بقدرة السينما الإماراتية على خلق حركة سينمائية واعدة وواثقة.

حدّثني نواف عن إمكانية تطوير هذه التجربة “الصندوق الأسود” وأساليب خلق جمهور للسينما الإماراتية وتشجيع ‏الإماراتيين على متابعة سينما بلدهم، فمشروعه القادم أن يجعل من هذا الصندوق المتنقل بين أروقة المعارض إلى صندوق قارّ بأحد المنتزهات أو الساحات الإماراتية وعبر الإمارات السبع.

سينما جيب تستجيب وتجيب عن تساؤلات واهتمامات الإماراتيين التوّاقين إلى السينما، والذي لامسته بنفسي من خلال المتابعة المكثفة للصندوق على امتداد أيام المعرض.

“سينما الصندوق الأسود” مشروع مبهر ومبشّر بصناعة سينمائية إماراتية سيكون لها عظيم الشأن في قادم السنوات، مشروع مرح ومريح في بساطته ناجع في تواصله مع المتقبل بسلاسة الصورة التي تبقى عالقة في المخيّلة لا تمحوها السنوات؛ أليست السينما ذاكرة؟

16