سينما العالم الثالث تفقد رائدة سينمائية

رحيل المخرجة المصرية عطيات الأبنودي التي تعتبر رائدة لتيار بارز في سينما العالم الثالث وأفلامها تكشف سلبيات الواقع ومأساة المهمشين.
الجمعة 2018/10/05
عطيات الأبنودي مع انبتها بالتبني أسماء ابنة القاص الراحل يحيى الطاهر عبدالله

بعد رحلة عذاب مع آلام المرض الذي منعها من الحركة منذ سنوات، رحلت المخرجة المصرية القديرة عطيات الأبنودي عن 79 عاما. رحلت عطيات وتركت وراءها أفلامها وثلاثة كتب أصدرتها، وذكرى طيبة بيننا جميعا، فقد كانت إنسانة جميلة الخلق، طيبة المعشر. لكن كان لعطيات أيضا معاركها شأننا جميعا الذين عشنا زمن التقلبات والصراعات وشهدنا الكثير من التغيرات التي تعرض لها الوطن.

تمتد علاقتي بعطيات الأبنودي منذ عام 1973 وكما نلتقي في الجمعيات والمنتديات السينمائية، ونتشارك في أحلامنا وطموحاتنا وهمومنا. عطيات من جيل يكبرني. وهي قد اقتحمت مجال السينما كهاوية من خلال “جمعية الفيلم” التي أنتجت فيلمها الأول “حصان الطين” (1971) الذي صوره رائد الثقافة السينمائية في مصر، الراحل أحمد الحضري. ورغم الإمكانيات المتواضعة جدا التي صنع بها هذا الفيلم إلا أنه مضى ليحصد عشرات الجوائز في مهرجانات السينما العالمية التي لا تعرض لغير المحترفين.

من هنا حصلت عطيات على منحة لدراسة السينما في أرقى معهد في بريطانيا أي “مدرسة الفيلم القومية” التي تعتبر اختبارات الالتحاق بها من أصعب وأعقد الاختبارات. لكن “حصان الطين” كان جواز المرور بالنسبة لعطيات التي تفوقت وعادت إلى مصر لكي تتخصص في إخراج الأفلام التسجيلية عن الواقع المصري ومشاكله المزمنة، وتعرضت خلال ذلك، لعشرات العراقيل التي وضعتها في طريقها القوى المعادية للسينما والمناهضة أساسا لدور الفيلم في كشف سلبيات الواقع.

فكرت ذات مرة في أن أنشر كتابا عن عطيات الأبنودي باعتبارها رائدة لتيار بارز في سينما العالم الثالث، فقد كانت تشق طريقها ضد التوجهات الرسمية السائدة في الإعلام المصري، وقد أسست بنفسها شركتها الخاصة، واستطاعت الحصول على تمويل لأفلامها من الخارج وحررت نفسها بالتالي تماما، من كل القيود التي يفرضها المجتمع على الفنان الفرد. ولكن كان يتعين عليها أيضا أن تدفع الثمن على نحو ما، وهو ما تمثل في التجاهل والمطاردة ومنع عرض أفلامها في التليفزيون، ومنعها من التدريس في معهد السينما، وحرمانها من الجوائز الرسمية. وقد ظلت هذه السياسة سارية لسنوات طويلة. وأظن أنه ليس هناك أفظع من التجاهل مصيرا يؤلم الفنان والمبدع، خاصة عندما يكون في علاقة حب جارف حقيقي مع بلده مثل عطيات الأبنودي.. مخرجة الفقراء والمهمشين، والواقع المر والمرير.

وقد قمت في صيف 1992 بزيارة لا أنساها أبدا إلى عطيات الأبنودي في بيتها الريفي في قرية صغيرة تبعد نحو عشرين كيلومترا من السويس. حملت حقيبة يد صغيرة وانطلقت أخوض تجربة السفر بالوسائل المتوفرة أمام المواطن المصري العادي، أي بالمكروباص، ثم بالعبور من ساحة إلى ساحة إلى حين العثور على ميكروباص آخر ينقلني إلى مشارف تلك القرية.

هناك قابلت عطيات وقضيت معها عدة ساعات قبل أن أقطع رحلة العودة إلى القاهرة. وكانت عطيات شديدة الكرم معي فقد أعطتني ملفا كاملا مازلت أحتفظ به، يتضمن عدة وثائق وشهادات مهمة وبيانات كاملة بأفلامها (لم يكن قد ظهر بعد اختراع الأسطوانات الرقمية كما لم تكن أفلامها متوفرة على شرائط فيديو) ثم تمكنت من الحصول فيما بعد على نسخ جميع أفلامها.

لكن مشروع الكتاب تعثر لأسباب كثيرة أهمها الفشل في العثور على ناشر في العاصمة البريطانية يقبل نشر الطبعة الإنكليزية من الكتاب فقد كنت أعتزم إصداره بالعربية والانكليزية. وفيما بعد صدر كتاب أعده ناقد آخر عن عطيات الأبنودي بمناسبة تكريمها في المهرجان السنوي المخصص للأفلام المصرية.

من أهم أفلام عطيات الأبنودي فيلم “الأحلام الممكنة” و”التقدم إلى العمق” و”بحار العطش” و”اللي باع واللي اشترى” و”إيقاع الحياة”. وقد حققت هذه الأفلام في عروضها الخارجية، أي خارج مصر، نجاحا كبيرا وحصلت على عشرات الجوائز في مهرجانات السينما العالمية، وكانت كلها من إنتاج عطيات الأبنودي نفسها التي تقاعس التلفزيون المصري الرسمي عن تمويلها أو حتى شراء حقوق عرض هذه الأفلام رغم نجاحها في العالم. ففي زمن الرئيس السادات اعتبرت أفلام عطيات الأبنودي أفلاما “كئيبة” لكونها تكشف سلبيات الواقع ومأساة المهمشين والمحرومين من المصريين، وفي زمن الرئيس مبارك لم تكن عطيات من المرضي عنهم أو الذين تقلدوا مسؤوليات رسمية أو تنتهم المؤسسة الرسمية لكي يقوموا بتمثيل مصر في الخارج على نفقة الدولة وضمن الوفود الرسمية، بل كانت تتلقى الدعوات بصفتها الشخصية من المهرجانات العربية والدولية وتشارك في عضوية لجان التحكيم ورئاستها أيضا.

رحم الله عطيات الأبنودي ألف رحمة.