سينما المرأة الشرقية تشبه واقعها.. معاناة ونجاحات

الجمعة 2013/12/13
الفيلم الإيراني "رجم ثريا".. قبح العدالة

على الرغم من حضورها الطاغي سينمائيا في دور ممثلة أو مؤلفة أو مخرجة، إلا أن الفكرة المسيطرة على صورة المرأة الشرقية تدور في الأغلب حول عالمها الأنثوي المتعلق بصفاتها الجسدية ودورها الوديع كربة منزل مطيعة، أم مغلوبة على أمرها، ابنة تتقن التنفيذ الأعمى للأوامر أو زوجة خانعة في صورة مركبة عن الابنة ومصغرة عن الأم..

في معظم الحالات، تحبس المرأة داخل برواز من التسطيح والإذلال، حيث تعامل كجسد مهمل في البيت وكيان مشاع في الشارع، وملامح لصورة مشوهة في مجتمع يحث على العنف ويروج لأعراف ومفاهيم دارسة. وكان اعتماد صناع السينما العربية والشرقية عموما في بعض المراحل الزمنية والانهيارات السياسية والاجتماعية، على تبني الوجه التجاري الذي يعنى بإرضاء الجمهور المتلقي، وهو جمهور غير نخبوي في أغلبية شرائحه، ولذلك احتلت صالات العرض سلسلة من الأفلام التي استخدمت المرأة كإعلان للترويج لهذه الأفلام، ففشل السينمائيون في محاولة خلق توازن حقيقي بين الفن والمتعة.


هامشية وتشويه


تتأتى أهمية الدور الذي تشغله السينما، باعتبارها أعمق الفنون تعبيرا وتأثيرا في تشكيل ثقافة وفكر ووجدان الجماهير، من خلال تفاعلها مع واقع الناس باستخدام أدواتها النافدة والفاعلة لمعالجة هذا الواقع بجميع صوره، وبالتالي إحداث التغيير المطلوب. الواقع الذي تترصده كاميرات السينما وتحوله إلى صورة مؤثرة، هو الفكرة التي آمن بها بعض المشتغلين في هذا الحقل، ومنهم المخرج والمنتج السينمائي الأميركي الراحل، ستانلي كوبريك الذي رأى في السينما "فنا لإعادة تشكيل الواقع المحيط وليس لخلق واقع جديد".

لكن، يبدو أن السينما العربية في بعض اتجاهاتها، لم تستطع أن تستخدم سلطتها النافدة في نقل الصورة الحقيقية للمرأة من خلال مشهد سينمائي منصف ومعبر.. بل حاصرتها في أدوار وصور هامشية ومشوهة، وأحيانا بعيدة كل البعد عن معاناتها في مجتمعات ما زالت تجلدها بمئات السياط.. تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم الأعراف والتقاليد.

ومثلها فعلت السينما في بعض الدول الإسلامية التي تستخدم سوط الدين النافذ في معالجة كبوات مجتمعات تخلت عن إنسانيتها وتفرغت لخوض صراعات، يحسم البقاء فيها للأقوى وللرجل أيضا.

مع ذلك، وجدت بعض التجارب الاستثنائية التي امتدت بتتابع زمني عشوائي على خارطة الفن في العقود الماضية، تمثلت في تجارب لسينمائيين عرب ومسلمين، وجدوا في الظل معنى يستحق تسليط الضوء عليه، كما وجدوا في صمت الآخرين عمّا تكابده المرأة في مجتمعات غير منصفة، صرخة صامتة تستحق التوثيق في صورة صارخة.


سلطة ذكورية

"دعاء الكروان" أدان جائم الشرف ضد المرأة


حقبة الخمسينات والستينات في السينما المصرية أخرجت إلى النور بعضا من هذه الاستثناءات، حيث جاء فيلم "دعاء الكروان" في عام 1959 عن قصة للأديب طه حسين، أخرجها للسينما هنري بركات، وجسدت دور البطولة فيه فاتن حمامة، ليدين جرائم الشرف ضدّ المرأة، والسلطة الذكورية المطلقة التي حولها المجتمع لاستباحة كرامتها والحكم عليها بالموت الشنيع، متناسية شريكها في "الجرم" ومتغاضية عن دوره المحوري في الجرم المشهود وكأنه لا وجود له، ذلك باعتباره رجلا.. والرجل لا يحاسب رجلا مثله.

الفيلم الذي جاء في الترتيب السادس في قائمة أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما المصرية، يحكي مأساة الخادمات الريفيات تحديدا في التعامل مع واقعهن المرّ، كما يطرح بجرأة قضية الظلم الواقع على المرأة العربية والريفية خاصة من أقرب الناس إليها.

في بعض الحالات، وفي عقود زمنية لاحقة، كانت هنالك نماذج لسينما بديلة أنصتت لنبض امرأة وشخصت واقعها بمصداقية، دون ابتذال أو ابتزاز، في دول عربية إضافة إلى مصر كالمغرب والجزائر وسوريا، بالتزامن مع بعض المحاولات المهمة لسينمائيين ينتمون إلى دول إسلامية ويتخذون من دول المهجر منطلقا لإبداعاتهم..

يمثل فيلم "رجم ثريا" من أهم الأفلام التي تفضح مدى قسوة ممارسات مجتمعاتنا الشرقية الذكورية وتعديها على حقوق المرأة، من خلال ارتداء عباءة الرياء الديني والوقوف خلف ستارة التقاليد البالية.

مأساة قديمة، وجدت طريقها إلى الضوء من خلال كتاب أصدره الصحفي الفرنسي- الإيراني الأصل، فريدون صاحب جم، في عام 1994 تحت عنوان "رجم ثريا"، ثم جسدت المأساة في فيلم يحمل العنوان ذاته في عام 2008 بإنتاج أميركي. يروي فيلم المخرج الأميركي، من أصول إيرانية، سيريوس نوراستيه أحداثا حقيقية وقعت في إيران أوائل عقد الثمانينات، حيث يكشف عن الوجه القبيح لـ"عدالة" المتطرفين الإسلاميين المزعومة في إيران في تلك الحقبة.

فيلم "رجم ثريا" يعرض تجربة حقيقية لفتاة في إحدى قرى إيران رفضت أن تقبل بالطلاق من زوجها دون أن يتحمل نفقتها وأطفالها الشهرية. ورغبة منه في التخلص منها والزواج من فتاة تصغرها بأعوام، بدأ بتحريض أفراد أسرتها من الرجال ضدها وكذلك رجال القرية ومتنفذيها، باستخدام ورقة الدين لاتهامها بـ"الزنا"، ثمّ رجمها في أبشع صورة.
فيلم يحكي التسلط الذي تعانيه المرأة

يذكر بأن عقوبة الرجم بالحجارة شرعت ونفذت في عدد من الدول الإسلامية والعربية، مثل إيران والسودان وباكستان وغيرها.. حيث تطبق بحق النساء والرجال الذين توجه لهم تهمة ممارسة علاقة جنسية خارج إطار الزواج، إلا أن النساء هن الضحية الأولى والوحيدة في الأغلب.

واعتبر الفيلم حينها جزءا من توجه السينما الأميركية للهجوم على إيران، وفق تصريحات المسؤولين في إيران الذين أنكروا الواقعة.. وبالرغم من أن مؤلف الفيلم ومخرجه وبطلته من أصول إيرانية، إلا أنه منع من العرض في البلد الذي شهد وقائع القصة الحقيقية كما منع الكتاب من قبله.


صرخة أنثى


الواقع الصادم نشاهده مرة أخرى في فيلم "أندرومان.. من دم وفحم" إنتاج مغربي عام 2011، حيث تتمرد الابنة أندرومان على الثقافة الذكورية، وتعلن أنوثتها التي طمسها والدها عقدين من الزمان. في صورة سينمائية راقية صورها لنا المخرج المبدع عزالعرب علوي، في فيلم يحكي الظلم والتسلط الذي تعانيه المرأة المقهورة في مجتمع ذكوري في قرية أمازيغية، يتوارث فيها الأهالي حق استغلال أراض مشتركة من قبل الذكور فقط.

الأب العنيف "أوشن" يرزق بطفلة، فيرفض القبول بالأمر الواقع، ليجبرها على العيش في ثوب ذكر كي يضمن حق العائلة في الأرض. قصة تمثل القسوة بأبهى صورها، في تحاور عجيب بين الواقع والخيال..

في النهاية، نحن بحاجة إلى الخيال لصياغة واقع أكثر قسوة.. مثلما نحتاج إلى الشوائب لصياغة معدن الذهب النقي، لكن ينبغي أن نستعين بالخيال فقط، في محاولة الإمساك بالواقع القبيح والتشهير به.

16