"سينما مصر" مسرحية تستعيد أهم مشاهد السينما المصرية

مسرحية من تأليف أدباء رحلوا تعالج قضايا حيوية في قوالب سينمائية.
الخميس 2021/03/25
ذاكرة سينمائية على ركح مسرحي

النص هو أساس العمل المسرحي، وهناك عروض يغيب عنها النص بمعناه الحواري والحبكة الدرامية، فتتم مقاربة العرض من خلال الرؤية المباشرة والحركة واللصق، وهو ما فعله المخرج خالد جلال في مسرحية “سينما مصر” التي أدخلت السينما إلى عالم الخشبة.

يشارك في مسرحية “سينما مصر” للمخرج خالد جلال 67 ممثلا وممثلة من خريجي الدفعة الثانية من أستديو المواهب بمركز الإبداع بدار الأوبرا المصرية، وهذا العدد الكبير انعكس على نص العمل.

وتطرق نص المسرحية إلى قضايا عديدة وحمل رسائل هامة، ومزج بين الفكرة الرئيسية لفيلم “نادية” وهي استعادة الذاكرة المصرية، مع أفكار ونصوص قدمها كبار المؤلفين في تاريخ السينما ليعاد تجسديها على مسرح مركز الإبداع بالأوبرا في القاهرة حاليا.

عصفوران بحجر واحد

في العرض المسرحي يقدم المخرج والمؤلف خالد جلال مشاهد من نصوص لعدد من المؤلفين والمخرجين المصريين الذين رحلوا لكن بقيت بصماتهم وأعمالهم السينمائية واضحة، مثل عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف السباعي ونجيب محفوظ وصلاح جاهين وطه حسين، ومن المخرجين يوسف شاهين وفطين عبدالوهاب وكمال الشيخ.

ضرب خالد جلال عصفورين بحجر واحد في المسرحية، حيث أبرز مواهب النجوم الجدد وقدم مشاهد خالدة في تاريخ السينما تتضمن قضايا ورسائل محورية، منها أهمية السينما كقوة ناعمة، ومعاناة المرأة من بعض العادات والتقاليد، والتصدي لمن يحاولون طمس الهوية الفنية والإنسانية، ومكافحة الإرهاب والتطرف، ومواجهة الفساد الإداري، وقضايا أخرى عديدة تضمنتها المشاهد الأربعون التي تشكل علامات بارزة في تاريخ السينما أعيد تجسيدها على خشبة المسرح.

مزج المخرج بين المشاهد السينمائية التي قدمت والفكرة الرئيسية لفيلم “الليلة الأخيرة” من إنتاج 1963 والسيناريو والحوار لوزير الثقافة المصري والأديب الراحل يوسف السباعي عن الكاتبة الأميركية مارغريت لين.

والفيلم المصري من إخراج كمال الشيخ وبطولة فاتن حمامة ومحمود مرسي وأحمد مظهر، ويدور حول محاولة شاكر طمس هوية نادية مستغلا فقدها لذاكرتها ليوهمها أنها زوجته للحصول على ميراثها، في رمزية واضحة لمحاولة الاستيلاء على الوطن ومحاولة تجريده من ذاكرته الحية.

المخرج ضرب عصفورين بحجر واحد في المسرحية، حيث أبرز مواهب جديدة وقدم مشاهد خالدة في تاريخ السينما

ترفض نادية الاستسلام لمؤامرات شاكر وتحاول البحث عن هويتها المفقودة، وتستعيد جزءا من ذاكرتها مع كل مشهد من مشاهد الأفلام المصرية الشهيرة حتى تستعيد الذاكرة تماما مع آخر مشهد في نهاية المسرحية.

لم يكتف المخرج بفكرة استعادة مصر لهويتها وذاكرتها الفنية والإنسانية، لكن قدم رسائل بلغت 40 فكرة مع كل مشهد من كلاسيكيات السينما، مثل ثورة يوليو 1952 والتخلص من الملكية في فيلم “رد قلبي”، والحبيب المريض نفسيا في فيلم “باب الحديد”، واضطهاد الإناث في فيلم “دعاء الكروان”، ومحاربة الإرهاب والتطرف في فيلم “المصير”، ومقاومة الظلم والدكتاتورية في فيلم “شيء من الخوف”، والفساد الإداري في فيلم “أبوحلموس”.

أما في مشهد المدرس والباشا للفنانين نجيب الريحاني وسليمان عيد في فيلم “غزل البنات”، ظن المدرس أن السفرجي هو الباشا، بينما يعود الباشا الحقيقي من السوق محملا بالخضار، فيظن أنه جنايني، ليعالج من خلالها مسألة الصراع الطبقي والاهتمام بالمظاهر على حساب الروح، ونعى كوميديا الموقف.

جاء اختبار قدرات الممثلين في أداء مشاهد خالدة في السينما المصرية كسلاح ذي حدين، فبينما نجح عدد كبير منهم في تجسيد الشخصيات وتركوا بصماتهم الخاصة، وقع البعض منهم في فخ تقليد هؤلاء النجوم القدامى.

الممثلة التي لعبت دور الفنانة زينات صدقي قلدتها إلى حد كبير، وهي النقطة التي حذر منها المخرج، لكن يبدو أن حداثة عهد الفنانين بالتمثيل أسقطت بعضهم في فخ التقليد الذي لم يكن بالطبع في صالحهم.

أفكار كلاسيكية

Thumbnail

فكرة إعادة تقديم المشاهد الفنية الكلاسيكية القديمة عرضت أكثر من مرة في فوازير قدمها الفنان سمير غانم عام 1983، ولعب شخصية “فطوطة” التي كان يقلد فيها نجوم السينما الكبار، وفوزاير “إيما وسيما” التي قدمها الفنانان محمد هنيدي والراحل علاء ولي الدين ومعهما الفنانة لوسي سنة 1997.

كان من المفضل أن يقوم المخرج بدعم العرض بمشاهد جديدة مكتوبة خصيصا لهذه المواهب لإبراز قدراتها الفنية بدلا من الاكتفاء بتجسيد روائع كلاسيكيات السينما.

فكرة العرض المسرحي كانت وليدة اللحظة عندما طلب المخرج من المواهب الجديدة تجسيد مشهد سينمائي أو درامي يقيس قدراتهم، كما يحدث عادة في اختبارات القبول بمعهدي السينما والمسرح، فخطرت في باله فكرة مزج المشاهد بفيلم “نادية” وتقديمه في صورة عرض مسرحي.

تأبين ونعي السينما الدينية والتاريخية التي غابت عن السينما الآن ظهر بقوة في مشاهد فيلمي “الشيماء” و”الناصر صلاح الدين”، وباستثناء فيلمي “ناصر 56″ و”أيام السادات” للفنان أحمد زكي لم يتم تقديم أفلام تاريخية مؤخرا.

نفس النعي كتب للأعمال الأدبية لمشاهير الكتاب التي كان يتم تحويلها إلى أفلام سينمائية، وبخلاف فيلم “الفيل الأزرق” للكاتب أحمد مراد و”عمارة يعقوبيان” للأديب علاء الأسواني، لم تعد الأعمال الأدبية هي الذخيرة التي تعتمد عليها السينما.

اختبار صعب

Thumbnail

المباشرة الواضحة في نهاية المسرحية لم تكن في صالح العرض عندما تصطف الممثلات اللاتي لعبن دور “نادية” التي ترمز لمصر ليحاصرن الفنانين الذين لعبوا دور شاكر، ويرمز للمحتل، فيصرخ شاكر “إنت مش عارفة أنا مين”، فترد الفنانات اللاتي يرتدين الزي الفرعوني المصري “أنت تعرف أنا مين أنا لي أصل وحضارة وتاريخ لا تمحوه السنين”، بينما في الخلفية يتم عرض مشاهد الأفلام التي جسدت على الشاشة طيلة عرض المسرحية التي بلغت ساعتين تقريبا.

غياب النص المسرحي المتماسك دفع المخرج إلى إلقاء كلمة في بداية العرض، ما يعتبره البعض مصادرة صريحة لرأي الجمهور، ورغم وجهة نظره لتوضيح فكرة المسرحية وفهم ما يدور على خشبة المسرح للجمهور، كان الأولى أن يترك المتفرج يسرح بخياله لمعرفة الهدف من العرض بدلا من إجباره على رؤية معينة.

نجح المخرج خالد جلال في اختيار الشخصيات المناسبة في المشاهد التي قدمت من حيث المواصفات الجسدية والماكياج والتشابه مع الأبطال الحقيقيين، كما أجاد توزيعهم في الأدوار الفنية، فمرات يقدمون دور البطولة ومرات أدوارا ثانوية في مشاهد أخرى لإبراز مواهب المشاركين في العرض.

غياب النص المسرحي المتماسك دفع المخرج إلى إلقاء كلمة في بداية العرض، ما اعتبره البعض مصادرة لرأي الجمهور

ويقول فتحي عبدالوهاب رئيس صندوق التنمية الثقافية الذي يتبعه مركز الإبداع لـ”العرب” إن “العرض كشف مكنون المواهب الشابة ووضع أقدام عدد منهم على أول طريق التميز والإبداع دعما للحركة الفنية”.

ويؤكد العرض أن تاريخ مصر السينمائي والعام سيبقى على مر الزمان مهما حاول البعض طمس ملامحه الفنية والتاريخية، وبعودة الروح وبناء الحاضر والمستقبل بجد واجتهاد سيصنع هذا الجيل مجدا فنيا لا يقل عما صنعه الأجداد.

وكانت سينوغرافيا العرض بسيطة وأحيانا بلا ديكور اعتمادا على البساطة التي كانت سائدة في معظم الأفلام القديمة، فنجحت في تدعيم العرض والتعبير عن جو الماضي، وربما كان من الأفضل تدعيم المسرحية برؤية مختلفة تضيف لمسة جديدة لما سبق.

مع تقديم بعض الاستعراضات والأغاني الكلاسيكية في السينما، على رأسها أغنية الافتتاح والنهاية “حلاوة شمسنا”، كان ينبغي عرض أغان أخرى تعبر عن الوطنية بدلا من الاقتصار على أغنية واحدة.

ورغم وجود العشرات من الممثلين الذين شاركوا في العرض بدت السلاسة واضحة بلا ضجيج أو زحام على خشبة المسرح، وظهر دور مصممة ملابس الفنانين والفنانات على المسرح، حيث جاءت متطابقة مع ملابس الفنانين في الأعمال الأصلية.

لكن المسرحية لم تقدم تبريرا نفسيا مقنعا لعودة الذاكرة إلى “نادية”، كأنها هبطت من السماء، والأولى التفكير في سبب مقنع لهذه العودة المفاجئة غير المبررة.

وأرغم تركيز المخرج على استعراض المواهب لإضافة مشاهد سينمائية زيادة جرعة الحشو الفني، خاصة أن البعض لم يلتزموا بتعليمات خالد جلال للتنسيق بينهم في ضبط لحظات الكلام والصمت ووقت الحركة والوقوف، وبدت أصوات بعض الممثلين قوية وأخرى ضعيفة وتحتاج لمزيد من التدريب على الإلقاء.

14