سينما

كان زمنا يحافظ على الجودة. أما هذا الزمن فزمن يروّج للرداءة بلا حياء. حتى باتت الرداءة كنزا ثمينا. ولا ألغاز في ذلك.
الجمعة 2019/05/17
زمن نشهد فيه انحطاط الفن

ممّا يحزن في عوالم المدن، دور السينما القديمة التي كانت ذات يوم مزدهرة فيها، تشع بالألوان والعروض والضيوف، قبل أن يدور عليها الزمن وتقلّ أموالها ويهترئ ورق جدرانها وكراسيها، وتصير في خريف العمر.

 وقد رأيت من هذه الدور الكثير في حواضر عربية عديدة، فبدت وكأن من بنوها كانوا مخلوقات فضائية زارت عالمنا ثم رحلت. لأن المنطق لا يقبل أن يكون الجيل الذي بنى تلك المظاهر الثقافية الهامة هو ذاته الذي ترك لنا الأجيال التي تلت.

وكانت في دمشق قبل سنين طويلة صالة سينما اسمها “سينما دمشق” أراد مالكها توفيق الشماس، ذات يوم، أن يتشرف بأن يعرض الموسيقار محمد عبدالوهاب فيلمه الجديد “لستُ ملاكاً” فيها.

كان عبدالوهاب مهووسا بالنظافة والدقة، فقرر الحضور إلى صالة العرض في صباح أحد الأيام ليكشف عليها، قبل أن يوافق أو يرفض. فلمّع الشماس وموظفوه الصالة وصارت تبرق كالذهب. وفي التاسعة صباحا وصل عبدالوهاب ونزل من سيارته متوجهاً نحو باب السينما، لكنه توقف فجأة وعاد إلى السيارة، فسأله من معه “ألا تريد رؤية السينما؟” فقال “لا. لن أعرض في هذه الصالة”.

بعد فترة حاول الشماس فهم الموقف من الموسيقار الكبير. فدار بينهما هذا الحوار:

لماذا لم تعرض فيلمك في صالتي؟

لأن صالتك ليست نظيفة.

لكنك لم تدخل لترى بنفسك!

لا داعي. عرفتُ أنها ليست نظيفة لأني رأيتُ أعقاب سجائر على الرصيف.

لكن قد يكون المارة هم فعلوا ذلك. ما ذنب الصالة؟

يجب أن تعلم أنك لست مالك السينما من الداخل فقط، بل يجب أن تحافظ على مشاعر الزبون حتى قبل أن يصل إليك.

لكن ذلك كان في زمن غير هذا الزمن. كان زمنا يحافظ على الجودة. أما هذا الزمن فزمن يروّج للرداءة بلا حياء. حتى باتت الرداءة كنزا ثمينا. ولا ألغاز في ذلك. فقد نشأ مع الوقت تحالفٌ من المصالح يحمي الرداءة ويسوّقها ويستثمر فيها. مكوّن أولا من الرديء ذاته الذي يدرك بمكر أن بضاعته قليلة الكلفة.

 وثانيا من المنتج الذي يعجبه أن لا يُطلب منه المزيد من الدفع، أما ثالث حلفاء الرداءة فهو الناس. وهؤلاء لم يكن لديهم مشكلة في انحطاط الفن وانحطاط الصناعة النسيجية وانحطاط الأدب وانحطاط الزراعة وانحطاط الأخلاق في هذه السينما العربية الواسعة ذات العروض المستمرة بلا توقف.

24