سينوغرافيا معاصرة لمنتصف الليل ومفاجآته

شذا شرف الدين فوتوغرافية لبنانية تتحول إلى عرّابة سندريلا الألفية الثالثة.
الجمعة 2018/11/16
من كادحات إلى أميرات

“مدام”، هو عنوان معرض صور للفنانة اللبنانية شذا شرف الدين في صالة “أجيال” بالعاصمة اللبنانية بيروت، مجموعة أعمال موضوعها عاملات المنازل اللواتي وضعتهن الفنانة في صور تظهرن فيها في وضعيات وملابس وسط ديكور لا تنتمي إلى واقعهن، بل إلى ما يحلمن به أن يعبر عنهن وعن أحلامهن على الأقل شكليا.

بيروت – قدمت الفنانة اللبنانية شذا شرف الدين لمعرضها المقام حاليا في صالة “أجيال” البيروتية، والمعنون بـ”مدام” (السيدة)، بقولها “المعرض عن عاملات مهاجرات يعملن بالساعة يرتبن أمور المنازل، يربين الأولاد، يطبخن الطعام، ينظفن أوساخ المنزل، يساعدن كبار السن، ويحرصن على حسن عيش ‘المدام’.. تلك السيدة التي تمضي في ممارسة العنف يوميا، إزاء سيدة أخرى ضعيفة تقول في نظرة كل يوم: كم محظوظة أنت، لأنك لست أنا”.

وظهرت العاملات في هيئات مختلفة من أميرة شرقية، إلى سيدة مجتمع نافذة، وصولا إلى راقصة أو مغنية وغيرها من الشخصيات اللواتي أرادتهن العاملات لذواتهن، عن سبب اختيار هذا الموضوع تقول شذا شرف الدين “عندما تعيش في لبنان، من المستحيل ألا تنتبه إلى الأزمة القائمة بين العاملات الأجنبيات ومخدوماتهن أو ‘المدام’..

 هذا الموضوع تتناوله وسائل الإعلام يوميا تقريبا، وتغطي المآسي التي تتعرض لها تلك العاملات في بلدنا، من ناحيتي أردت أن أضيء على جانب آخر من العلاقة القائمة بين السيدة ‘المدام’، وخادمتها، وتحديدا عندما تكون العلاقة بينهن جيدة، أي حين لا تؤذي السيدة العاملة بشكل من الأشكال”.

ثمة أمر آخر لا يقل أهمية عمّا أرادت التعبير عنه الفنانة، ففي المعرض مواجهة ومساءلة صورة السيدة لذاتها من خلال مستخدمتها، فبفضل أحلام العاملة المتجسدة في الصور استطاع المشاهد أن يكشف الستارة ليس عن أحلام العاملة فحسب، بل أيضا عن أحوال السيدة المتربصة بعاملتها في الخفاء.

أغلب ما اختارت العاملات أن يظهرن به في الصور جاء وفق أذواق واختيارات السيدات اللبنانيات ونظرتهن إلى معنى الجمال والسلطة المكرس مسبقا في الإعلانات وفي المجلات وعلى شاشات التلفزيون.

ما من نظرية معاصرة تستجيب بسهولة “لصحة” أن تكون لأحدنا شخصية واحدة، طغت أو لم تطغ على باقي الشخصيات، ونتيجة لتشرذم الذات والحاجة المتعاظمة إلى أن يكون عند المرء لكل مقال مقام وقناع نقيضه تكاثرت الأقنعة فوق الأقنعة التي سعت إليها السيدة والعاملة على السواء.

مواجهة ومساءلة صورة السيدة لذاتها من خلال مستخدمتها
مواجهة ومساءلة صورة السيدة لذاتها من خلال مستخدمتها

تتساءل شذا شرف الدين عمّا سيحدث إذا باتت “المدام”، بعدما صارت خادمتها تشبهها، إن كان الشبه سيحرك في داخلها عنصرية ما. ربما الإجابة على هذا السؤال تكمن في مكان آخر تماما، فقد تخلق صورة العاملة عند السيدة الحاجة الملحة إلى أن تنحت لذاتها صورة جديدة غير تلك التي “سرقتها” منها مستخدمتها لا سيما إن كانت السرقة “موفقة” ضاه فيها التقليد الأصل المُقلد.. أصلا.

لدى سندريلا، بطلة الرواية الخرافية، فستان واحد وذلك طوال الفترة التي خدمت فيها زوجة والدها وابنتيها وسبقت تدخل سحر ساحرة، كذلك للعاملات ثياب عمل وكدح لم يخلعنها إلاّ اللحظة التي تدخلت فيها عرابتهن شذا شرف الدين “لتحولهنّ” من كادحات إلى أميرات في هيئات مختلفة.

أما الصورة الفوتوغرافية التي تجسد تحول كل عاملة على حدة إلى أميرة، فهي “وسائطية” كعربة سندريلا التي نقلتها إلى القصر، يقع الاختلاف في أن سندريلا تعود إلى ثيابها الرثة عند الثانية عشرة ليلا، أما بالنسبة للعاملة فلا فكاك للسحر إلاّ حين تحقّق الصورة الفوتوغرافية، التي تجمّد بدورها عقارب الساعة فيبقى ذكراه حاضرا بصريا بعد غياب السحر.

المقاربة تنطلق من هنا، فثمة توزيع للشخصيات وصفاتها وأدوارها، هناك أولا العرّابة شذا شرف الدين التي تحول الحلم إلى الحقيقة، والتي تتبنى ما قالته العرّابة في القصة الخرافية عند انهماكها في تصميم وتنفيذ ثوب سندريلا وسينوغرافية ذهابها إلى الحفل “حتى العجائب تتطلب وقتا للتحقّق”، إذ تذكر الفنانة أن العمل على أخذ الصورة الفوتوغرافية كان مضنيا جدا، إذ استغرق التصوير أربعة أيام من أجل إتمام 20 صورة.

احتاجت العرّابة شذا شرف الدين لتحقيق ضربة السحر إلى فريق من خبراء ملابس وديكور وتبرّج، تماما كما احتاجت عرّابة سندريلا مساعدة مخلوقات متعاطفة لكي تنفذ مراحل التحول.

وهناك العاملة التي كما سندريلا، لا بد أن تكون قالت في سرها وهي تفكر في زوجة أبيها “ثمة أمر واحد لا تستطيع أن ترغمني عليه، وهو منعي من أن أحلم”، أما زوجة الأب الشريرة فهي ليست إلاّ “المدام” القامعة التي لا يهمها سعادة ولا أحلام مستخدمتها.

من خلال هذه المعادلة المُحكمة تُعقد بشكل أشمل ديناميكية استقراء المعرض، سيدرك الناظر أن من يقف وراء نظرة العاملة إلى ذاتها وإلى سيدتها، ونظرة الأخيرة إلى ذاتها وإلى مستخدمتها ليس الحضور الذكوري، رغم أن السيدة والعاملة تقدمان نفسيهما في معظم الصور الفانتازية على أنهما مصممتان وفق النظرة الذكورية السائدة إلى الجمال، تماما كما في لوحات الإعلان وغيرها.

الأساس في قصة سندريلا، كما في صور شذا شرف الدين، يكمن في نظرة المرأة إلى المرأة، الأسئلة التي قدمتها الفنانة حول موقف العاملة من ذاتها وموقف السيدة من العاملة بعد رؤية صور الأخيرة كأميرة تضاهيها جمالا، هي ذات الأسئلة التي تشكلت في ذهن موقف زوجة أبي سندريلا وبناتها أمام جمال سندريلا المتخفي تحت سخام المدفئة والعمل المضني.

وتختلف النظرات.. ففي حين تعمد زوجة الأب المتسلطة إلى كمّ جمال سندريلا والحؤول دون سعادتها، كما تفعل العديد من سيدات المنازل اللبنانية، تعمد العرّابة لا إلى جعل العاملات وسندريلا جميلات، بل إلى إبراز جمالهن، أما العاملة التي خضعت للعملية السحرية فربما لا تشكل مرتعا لدراسات أو استنتاجات سوسيولوجية/ نفسية تتطلب أكثر بكثير ممّا قُدم، ربما ما أرادته عند خوضها هذه التجربة، هو ما أرادته سندريلا وفق الروائية الأميركية كييرا كاس “لم تسع سندريلا أبدا للحصول على أمير، كل ما أرادته هو أن تأخذ يوم إجازة لكي تستطيع الذهاب إلى الحفل”.

17