سين جيم

تُعتبر الحوارات الطريقة الأفضل التي يُعبر الكاتب من خلالها عن حالته النفسية وعن دواخله. فقد يفيض دمع الكاتب في حالة صدق لا يقل عن صدق إبداعه، وقد ينط غضبه أو حزنه، وقد تنكشف أناه المفرطة، وقد يقول ما لا يقوله في إبداعه.
السبت 2018/07/14
الحوارات تبدو في صلب المشهد الإبداعي والثقافي

قبل سنوات، تفضل الشاعر محمد بنيس بقبول إجرائي لحوار معه. كان بنيس في بيتي، حيث كنت أقضي عزوبيتي، في الموعد الذي حددناه. أعددتُ له كأس شاي، ثم بدأتُ في استعراض المحاور الكبرى للحوار المفترض. غير أن محمد بنيس أُعجب بالشاي، الذي كنتُ أتقن إعداده ولم يُعجب بالمحاور، لأنه يبدو أنني جعلت منه، كما عبر عن ذلك، فاعلا ثقافيا فقط وليس شاعرا. كان لنا موعد آخر بعد أسبوع، في جلسة ثانية انتهت بحوار طويل يقترب بشكل كبير من عوالم محمد بنيس الشعرية، وهو الحوار الذي سينشر بالملف الذي خصصته لتجربته مجلة “الشعراء”. ولعل هذا الأمر يعكس حرص القليل من الشعراء والأدباء الذين يجعلون من الحوارات امتدادا فكريا وإبداعيا لأعمالهم، وليس فقط استجوابات سريعة تتوالى داخلها السين والجيم كما لو أنها محاضر للتحقيق.

والحقيقة أن الحوارات الأدبية لا تمثل شكلا هامشيا، بل إنها تبدو في صلب المشهد الإبداعي والثقافي، اعتبارا من جهة لكونها تشكل مدخلا لفهم العمل الإبداعي عبر فهم الجوانب الخفية لحياة الكاتب، ومن جهة أخرى، لوظيفتها على مستوى تلميع صورته وتوسيع مجال تداول أعماله.

لذلك يبدو طبيعيا أن يخصص عدد من دور النشر الكبرى سلاسل خاصة بالحوارات مع الكتاب، ومن ذلك سلسلة “الحوارات الكبرى” التي تصدرها دار غاليمار الفرنسية الشهيرة والتي تستعيد أهم لحظات برنامج “أبوستروف” الذي كان يعده برنار بيفو.

في الكثير من الأحيان يكون المحاور بدوره كاتبا عارفا بخبايا الإبداع، وبذلك قد تختلف موازين اللعبة ويصير الحوار، كما يوصف أحيانا، نصا يُكتب بأربع أياد، خصوصا إذا كان المحاوِر، على سبيل المثال، من حجم الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس، التي اشتهرت بفقرتها “مارغاريت تحاوِر” في إطار البرنامج التلفزيوني “ديم، دام، دوم”.

وفي جميع الأحوال، تُعتبر الحوارات الطريقة الأفضل التي يُعبر الكاتب من خلالها عن حالته النفسية وعن دواخله. فقد يفيض دمع الكاتب في حالة صدق لا يقل عن صدق إبداعه، وقد ينط غضبه أو حزنه، وقد تنكشف أناه المفرطة، وقد يقول ما لا يقوله في إبداعه. ولذلك قد لا تمر الحوارات دون حوادث. في سبعينات القرن الماضي انسحب الكاتب الأميركي شارل بُكُووْسكي مخمورا من بلاتو برنامج “كولت” المباشر، الذي كان يديره برنار بيفو. وفوق ذلك لم يتردد في إشهار سكينه في وجه عون أمن، معتبرا ذلك من باب المزاح، ومرجعا انسحابه إلى كونه وجد البرنامج مملا.

قبل أكثر من عقد، جمعني حوار مع الشاعر البرتغالي كازيميرو دي بريتو. في نهايته، طلب مني أن أضيف تصريحا له يؤكد فيه أنه سيكون مستعدا لإنهاء حياته بعد وفاة والدته المسنة. في ما يبدو، توفيت الوالدة، غير أن دي بريتو مازال شاعرا نشيطا. إنها الرغبة في الحياة التي تنتصر على الموت الذي قد تحفل به نصوص الشعراء.

15