سِحرٌ خالد

لم تستطع آلة التخلف التي تديرها الخمينية والمتطرفون والحرس الثوري في إيران منع الشعب الإيراني من تقديم مبدعين يمكنهم أن يهدوا العالم أعمالا عظيمة من هذا النوع.
الجمعة 2019/04/19
سحر اللغة يأتي من ذلك البُعد الذي يدركه أناسٌ مثل موراي وماينور وصفينية

وقف الرجل ذو اللحية الكثيفة البيضاء الذي اضطر إلى ترك المدرسة في سن الرابعة عشرة دون أن يكمل تعليمه، أمام أباطرة العلم في عصره. ترافع عن قضيته، وكان شغوفا بما يتحدث عنه لدرجة أنهم لم يتمكنوا من رفض طلبه. قال لهم إنه خبير في الإنكليزية والألمانية والفرنسية والعربية والعبرية والسريانية بالإضافة إلى عدد كبير من اللغات الأخرى.

 سألوه “ماذا تريد؟” قال “أريد أن أؤلف قاموسا فيه كل شيء، من أجل مجد اللغة الإنكليزية”. “وكيف ستنجزه؟” سألوه. أجاب “بالمتطوعين. الديمقراطية البريطانية ستنصع قاموس أكسفورد”.

عالم اللغة عالم لا يمكن وصفه بالكلمات. هو أقرب إلى الرياضيات، ولذلك يتقاطع مع أسرار العقل. ولم يكن غريبا أن يجد ذلك الرجل ذو اللحية البيضاء، شريكا من المتطوعين يقيم في مصحة عقلية.

 استطاع الرجلان اللحاق بمتواليات هندسية لغوية ضمت مئات الآلاف من الكلمات فقط لوضع المجلد الأول والثاني من القاموس، واللذين ضما الحرفين الأولين من الأبجدية.

هذه ليست قصة قصيرة من الخيال، بل هي الواقع الذي شهده القرن التاسع عشر، على يد بطلين هما السير البروفيسور جيمس موراي والطبيب المجنون وليام تشيستر ماينور.

كان على كل من أراد المساهمة في إعداد قاموس أكسفورد أن يقرأ أكبر قدر ممكن من الكتب، ويبحث في الكلمات وتاريخها. ينبش عنها في القصائد والروايات والمذكرات والصحف. وهكذا تمكن الأكاديميون من أن يتفاخروا بأن الإنسان الواحد يحتاج 120 سنة فقط لطباعة 59 مليون كلمة من قاموس أكسفورد.

حين تقرأ هذه الأحداث، لن تتمكن من تخيلها كما صورها فيلم “البروفيسور والمجنون” الذي قدمه المخرج الإيراني فرهاد صفينية، من بطولة ميل غيبسون وشين بين. هل لاحظ أحدٌ كلمة “إيراني”؟ صفينية كان قد قدم له غيبسون فرصة كبيرة حين كلفه كمساعد له حين قام بإخراج فيلم “آلام المسيح” الشهير الذي استخدم اللغة الآرامية مستندا إلى خبراء من الموصل آنذاك.

لم تستطع آلة التخلف التي تديرها الخمينية والمتطرفون والحرس الثوري في إيران منع الشعب الإيراني من تقديم مبدعين يمكنهم أن يهدوا العالم أعمالا عظيمة من هذا النوع. لم يكتف هؤلاء، مثل كثيرين منّا، بالنواح والعويل والندب بسبب الاضطهاد، بل عملوا من أجل المستقبل، وساهموا في صناعة لغة العالم عبر التدخل في ما يفكر فيه العالم.

سحر اللغة يأتي من ذلك البُعد الذي يدركه أناسٌ مثل موراي وماينور وصفينية. هؤلاء مطعونون في حياتهم، الأول اضطر لترك الدراسة ليعيل أسرته والثاني دمرته حساسيته وعدم تقبله لقسوة الآخرين والثالث حاصره ونفاه التطرف الديني بعيدا عن وطنه، حين كان لا يزال في الرابعة من عمره.

24