"سِيسيّهم" جدع و"سِيسيّنا" أجدع

الأربعاء 2014/06/11

تابعت أحداث مصر كلها من البداية إلى النهاية، وبالأخص تفاصيل ترشيحات الانتخابات الرئاسية وجميع الأحاديث التي رافقتها. لم يصدم سمعي شيء معيب. لا شتائم ولا اتهامات بالعمالة والاختلاس.

ثم رافقت جميع مراحل الاقتراع، خارج مصر وداخلها، ولاحقت جميع ما صدر عن هيئات مراقبة الانتخابات الأوروبية والأفريقية والعربية والمصرية، ثم جلست أمام الشاشة، لأشاهد مراسم تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسي. راقبت جميع حركات الرئيس المؤقت عدلي منصور وسكناته، من أول تسلمه الرئاسة إلى أن تركها فهالني وقار الرجل ونزاهته وحياده ووطنيته. ثم دققت في خطاب وداعه للقصر الجمهوري فهزني قوله “إن مصر القوية بشعبها وبمؤسساتها الدستورية أثبتت أنها عصية على الانكسار”. وقوله “إن مصر استطاعت العبور إلى بر الأمان، رغم الكثير من المعوقات والعمليات الإرهابية الجبانة التي استهدفت أعز أبنائها”. هذا الرجل لم يستطع بريق السلطة أن يُفقده توازنه وعقلانيته وعدالته. جاء من القضاء وعاد إليه نقي اليد والقلب واللسان.

نحن أيضا لدينا قضاة لا يقلون عنه زهدا ونزاهة وعدالة ووطنية وشجاعة. رئيس مجلس قضائنا الأعلى مدحت المحمود (صاحب فتوى الكتلة الأكبر بعد الانتخابات)، والقاضي محمود الحسن (صاحب فيديو توزيع سندات الأراضي) بعضُ ما عندنا.

ثم تابعت عبدالفتاح السيسي فرأيت أنه، وهو رئيس جمهورية، نفُسه المرشح للرئاسة. نفس الابتسامة، نفس الهدوء، نفس الصدق، نفس الهيبة والقوة والأمانة. لم يخدع أفراد شعبه، باعهم أملا فقط، وأكد لهم أنه سيعارك الشدائد ويواجه الصعاب، وقال “سأعمل مع جميع المصريين من أجل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية”. ووعدهم بعودة هيبة الدولة. وبإصرار ووضوح كرر وعده بدولة مدنية يحافظ كل من فيها على مكانه، لا دينية ولاعسكرية ولا قيادة موازية، بل قيادة واحدة، وشدد: “قيادة واحدة”، وسأل: هل هذا واضح؟

في انتخابات شهدت أوروبا وأفريقيا والجامعة العربية ومئات منظمات المجتمع المدني بنزاهتها، حصل السيسي على 23 مليونا و780 ألفا و104 أصوات من أصل 25 مليونا من الناخبين، لا على 700 ألف نصفها عسكر ونصفها الآخر حرامية. يعني أنه فاز بصدقه ووطنيته ونزاهته، فلم يأمر القوات المسلحة بالتلاعب بالصناديق، ولم يطلب من مفوضية الانتخابات أن تماطل في الفرز والعد وأغلبُ موظفيها في حزب الرئيس.

فاز السيسي دون صرف دولارات تنثر على شيوخ القبائل ورؤساء الميليشيات وأئمة الحسينيات، ولا وعود بوظائف ولا سندات قطع أرض مسروقة من الدولة، ولم ينفق على دعايته الانتخابية إلا أقل من القدر الذي حدده القانون، ولم يدفع من خزينة الدولة عشرات الملايين للفضائيات والصحف لكي تطنطن له ولصهريه ولبعض خدمه المقربين، وفي المقابل تلفق لخصومه الفضائح والتهم. حتى مقرئ القرآن في حفل تنصيب الرئيس المصري كان مدنيا وغير معمم. ولم أشاهد في الصفوف الأولى نائبات مدثرات بالسواد، ولا عمائم سوى عمامة شيخ الأزهر وبابا الأقباط.

كان السيسي يبتسم باستمرار، ولم أشاهده مكشرا غاضبا متكبرا على مشاهديه. ولم أسمعه يشتم فئة من مواطنيه ويتهمها بالعمالة والإرهاب، ولم يهدد أحدا بالتهميش والملفات الملفقة، بل أعلن أن مصر للجميع وأنه هو أيضا، للجميع وليس لطائفة ولا لحزب ولا لمدينة. لم أجد رئيس ميليشيا أدانه القضاء جالسا منتفخا في الصفوف الأولى مع كبار الضيوف. لم يهاجم دولة من دول الجوار ويتهمها برعاية الإرهاب، رغم أن حكاية قطر وتمويلها لجماعة الإخوان المسلمين ليقتلوا أشقاءهم (الكفرة) جنود الجيش وأفراد الأمن والشرطة والمواطنين الأبرياء، حكاية معروفة ولا تحتاج إلى كلام. سمعت السيسي يعد المصريين باستعادة هيبة الدولة، ونبذ العنف أيا كانت دوافعه.

وسمعته يخاطب شعبه: “لنعوض ما فاتنا ونصحح أخطاء الماضي، سنؤسس لمصر المستقبل دولة قوية، محقة عادلة، سالمة آمنة، مزدهرة تنعم بالرخاء، تؤمن بالعلم والعمل، وتدرك أن خيراتها يتعين أن تكون من أبنائها ولأبنائها”. ولعل أهم ما قاله: “نختلف من أجل الوطن وليس على الوطن، يكون اختلافنا ثراء، تنوعا وعطاء نضفي به روح التعاون والمحبة على عملنا الوطني المشترك”. وما أحزنني هو الحضور الدولي والعربي المكثف. إنه إشارة إلى احترام مصر الجديدة تتجه نحو المستقبل. ونحن أيضا. قصور المنطقة الخضراء تعج بالملوك والرؤساء ورؤساء المنظمات الدولية والعربية، وليالي العاصمة عندنا لا تنام من كثرة المؤتمرات والمهرجانات.

"سيسيّنا" أحلى من "سيسيّهم" وأرقى وأعقل وأكثر احتراما وهيبة. ولا يدعي غير ذلك إلا ناكر لجميل السيد الرئيس.


كاتب عراقي

9