"شابكة" مسرحية مغربية تدور أحداثها في أحشاء مذياع

المسرحية تتناول حياة أسرة يجلس أفرادها فوق التل للمراقبة فقط، وتنقل مشاهديها إلى السبعينات من القرن الماضي.
الجمعة 2019/08/23
شخصيات محبوسة في هواجسها

الوقوف على التلّ والنظر إلى الصراع الدائر بين الخير والشرّ على الأرض، صار عقيدة للكثيرين في المجتمعات العربية، التي أثِرَت السلامة على المغامرة وتأييد الحق ورفض الباطل، في واقع ملتبس اختلط فيه الصحيح بالخطأ. هذه السلبية في التعامل مع الواقع كانت النقطة التي كشفتها المسرحية المغربية “شابكة”.

أغلب الناس السلبيين، الذين يؤثرون متابعة الأحداث من فوق الربوة، يُنصتون لما يدور من حوادث حولهم من خلال المذياع أو التلفاز أو وسائل التواصل الأخرى، من دون المساهمة أو التدخل في ما يجري حولهم. ينتظرون ما يحدث بعد ذلك، فإنْ سمعوا أو شاهدوا أمراً سيئاً تباروا للنقاش حوله، والاختلاف عليه حدَّ الشجار، ولكن سرعان ما ينسون كل شيء بعد وقت قصير، ويعودون إلى حياتهم اليومية البائسة.

مسرحية “شابكة” تناولت أسرة من هؤلاء، الذين يجلسون فوق التل للمراقبة فقط، ونقلت مشاهديها إلى السبعينات من القرن الماضي، لتحكي ماضي وحاضر هذه الأسرة، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي طرأت على المجتمع وغيّرتها.

قدمت المسرحية فرقة الأوركيد بتمويل من وزارة الثقافة المغربية على مسرح محمد الخامس بالرباط مؤخرا، وعرضت كذلك بمدن مغربية كثيرة، وشاركت بمهرجان القاهرة بدورته الحادية عشرة 2019.

مسرح الصورة

أعدَّ مسرحية “شابكة” وأخرجها أمين ناسور عن مسرحية “على باب الوزير” لعبدالكريم برشيد، وقام بأداء أدوارها كلّ من حنان خالدي مثّلت دور الأم “صالحة” معلمة متقاعدة، وعبدالله شيشة مثل دورالزوج، موظف متقاعد، ونبيل البوستاوي مثل دور الابن “سلطان” الثوري البراغماتي، وعادل اضريسي أدى دور “المعلق الإذاعي”. أما السينوغرافيا فكانت لطارق الربح، والملابس لصباح لزعر. المسرحية رصدت الصراع بين الخير والشر في المجتمع المغربي والعربي، واعتبرته اشتباكاً مستمراً، وخالداً، وجاء اسم المسرحية “شابكة” معبّراً عن ثيمة الاشتباك.

ونقلتْ الأحداث المشاهد إلى يوميات أسرة محاصرة بين جدران منزلها. تعاني من الفقر والخوف من المستقبل، لا يجرؤ أفرادها الثلاثة على الخروج من المنزل، منتظرين فرجاً يأتي لحل مشاكلهم المزمنة من خلال خبر مفرح ينقله لهم المذياع.

برامج المذياع الرسمية يعدُّها موظفون، لينقلوا إلى مستمعيهم الأخبار، ومعظمها تؤكد حالات الرضى والفرح والسعادة التي يعيشها المواطنون. وترسم البرامج الإعلامية مستقبلاً زاهراً للبلاد، وتقدّماً مطّرداً في كافة نواحي الحياة. كما تحرص أيضاً على تقديم الوصلات الترفيهية من الغناء الستيني المغربي والعربي، فتقدم أغنية عبدالحليم حافظ “قارئة الفنجان” بذات اللحن، والتوزيع الموسيقي، ولكن بكلمات أخرى ساخرة من مستمعيها.

Thumbnail

وتقدّم الموسيقى التراثية، وأغنيات مجموعة المشاهب لمستمعيها، ولكن بموسيقيين في غاية الميوعة، وعدم الاهتمام، وهم يذكرون المشاهد بمهرجي السيرك بملابسهم الرثة، الغريبة، وطريقة استخدامهم لآلاتهم الموسيقية بطرق بهلوانية لا تمتّ لعالم الموسيقى، وعازفيها بصلة. وقد جسّد أدوارهم: أنس عاذري وعبدالكريم شبوبة وهند نياغو.

مشاهد المسرحية تدور في أحشاء مذياع وخارجه. فنشاهد وسط المتسعات الكهربائية، ومكبّرات الصوت، والمصابيح الوامضة، المذيعين، والمخرج والمطربة، التي تقدم أغنية مغربية ستينية شهيرة ثم تتعرّض للضرب من المخرج الإذاعي، لكنها تستطيع في صراعها معه أن تصرعه وتطرحه أرضاً.

جميع الأحداث والمواقف، والحوارات في المسرحية تنقل للمشاهد عبر الغناء والموسيقى، وترديد الأمثال الشعبية، والرقص، والمونولوجات الثنائية بمصاحبة الموسيقى التراثية والحديثة، واعتماد تقديم المشاهد بتقنيات مسرح الصورة، واستخدام الظل والضوء، والتسجيل الصوتي من خارج الكادر، لإغناء المشاهد بدراما الحدث أو لإظهار الصراع النفسي للشخصيات في صراع الأفكار، وصعوبات الحسم للاختيار بين الشر والخير.

الوزير الجديد

يعلن المذيع، المنتدب لتقديم المسرحية، قائلاً أن الإذاعة ستقدم مسرحية “شابكة” المعدَّة عن مسرحية “على باب الوزير” للكاتب المسرحي “المبتدع المغمور” عبدالكريم برشيد، ويعرّف المذيع ثيمة المسرحية، متحاملاً عليها، وعلى كاتبها، بأنها، مسرحية عربية إسلامية، مسيحية، يهودية، بوذية، ويعدّد بعد ذلك أسماء ديانات، وفلسفات صينية وهندية كثيرة.

كل هذا تسمعه صالحة وتعلّق عليه سلباً، ويبادلها زوجها التعليقات، التي في أغلبها تعبّر عن اليأس من تغيير أوضاع الفقر التي يعيشونها كأسرة. فهما لا يأملان بأخلاق الناس التي تغيّرت، فما تسمعه صالحة المعلمة السابقة من أخبار المذياع، وهي التي كانت مثال الاستقامة في حياتها الوظيفية يجعلها تشمئز من العودة ثانية للبحث عن فرصة عمل تحسن بها دخل العائلة.

تعبّر صالحة عن شعورها ذاك بصرخات مريرة تطلقها بين الحين والآخر، وترفض مقترحات زوجها وآراء ابنها سلطان، مؤكدة لنفسها ولابنها وزوجها أنها لا تستطيع الخروج إلى المجتمع لتتواصل معه من جديد، وفيه كل هذه الكمية من الكراهية، والتنافس والصراع والبخل والنميمة والنفاق.

تصاب العائلة بهزة حقيقية حين تسمع خبراً من المذياع يؤكد تبوء “رابح ولد رابح” منصب وزير، لثلاث وزارات في الحكومة الجديدة في وقت واحد. وتحكي صالحة لزوجها وأبنها ذكرياتها عن الوزير الجديد “رابح ولد رابح” الذي كان أحد طلابها الفاشلين. حكتْ لهما كيف كان يقضي وقته فوق جدار المدرسة بدلاً من مصطبة الدرس، فهو في هروب مستمر من المدرسة، مهمل في ملبسه ودروسه، وغشاش، وبذيء، ومتهور في تصرفاته.

 هذا الخبر أساء لصالحة جداً، وجعلها تؤمن أن المجتمع في خارج منزلهم أصيب بلوثة عقلية عامة، أو أنها لم تعد تفهم كيف يُفسر الخير والشر خارج المنزل. ولكن الأب والابن الثوري يريان غير الذي تراه صالحة، فيقترحان عليها الذهاب إلى مكتب الوزير الجديد “رابح ولد رابح” لطلب العون منه. مادام أنها كانت معلمته السابقة، ولها فضل عليه، فأقل ما سيفعله لها أن يجعلها مديرة في ديوانه أو مستشارة أو غير ذلك من المناصب الرفيعة، التي ستدرّ عليهم المال، والجاه، لينعموا في آخر حياتهم بحياة محترمة ورغيدة.

صالحة التي تربَّتْ على قيّم لا تحيد عنها ترفض عرضهما، وذكرتهما، أنه غشاش، مريب، فاشل، وكثيراً ما عاقبته حين كان يسيء التصرّف في فصلها. لكنهما كانا يذكرانها بأن ذلك “كان في الماضي وأما اليوم فهو وزير لثلاث وزارات مرة واحدة”، وبيده الحل والربط، وأن الرجل قد تغيّر، وصار شريفاً وعفيف اليد واللسان، ومن يستطيع الحكم على وزير الآن؟

مهما كان ماضيه سيئاً، لكن صالحة تقول لهما “إنه كان غبيا لا يصلح لشيء، فكيف يصلح لإدارة ثلاث وزارات؟” ولا تقتنع بكل ما يقدمه الابن والأب من أعذار، وتبريرات وأوصاف منمقة عن عبقرية الوزير الجديد، لكي يغريانها بالتوجه لزيارة الوزير بمكتبه، وتهنئته بمنصبه الجديد، لتطلب منه وظيفة تمكّنهم من العيش المرفه السعيد.

ولكن صالحة المعلمة المستقيمة، المتقاعدة تبقى صالحة، وترفض كل العروض والإغراءات التي يعرضها زوجها وابنها المتذبذب بين ثوريته وبرغماتيته عليها، وتفضّل بقاء حالهم على ما هو عليه، لكي تموت، وهي محترمة لنفسها، وهو أقلّ واجب تقدّمه لماضيها المشرّف.

14