شابلن مبدع جالس تشرشل وشرب الشاي مع أينشتاين

الثلاثاء 2014/09/16
من أوروبا انطلق شابلن إلى آسيا ليقف مذهولا أمام أفواج المحرومين

مطلع خريف هذا العام، 2014، صدر في فرنسا كتابان للممثل الشهير شارلي شابلن (1889-1977). الأوّل حمل عنوان “جولتي حول العالم”. وأمّا الثاني فعنوانه “فلوتلايت”. والكتابان يعكسان بشكل جليّ عشق شابلن للكلمات، ورغبته في ألاّ يكون ممثّلا عبقريّا فقط، بل كاتبا مشهورا، يعترف كبار النقّاد بموهبته العالية.

على هذين الكتابين علّق أحد النقّاد قائلا: “الكتابان مثيران للإعجاب. ففيهما نكتشف طريقة شابلن في العمل، ودقّته، وسخاءه تجاه الفقراء والمحرومين. كما نكتشف أيضا، ومن بين السطور، ذلك الألم الذي لا يفارقه أبدا. ألمٌ يعود إلى طفولة مرعبة في الشوارع الباردة، وفي حانات مشبوهة وقذرة، وفي غرف كريهة”.


طفولة قاسية


كان شارلي شابلن، المولود في لندن عام 1889، قد عاش طفولة قاسية، موسومة بالحرمان والبؤس في أشنع مظاهره، إذ كان والده ممثلا فاشلا مدمنا على الكحول.

أما والدته فقد أصيبت بالجنون بسبب شقائها، وشقاء عائلتها. وفي التاسعة عشرة من عمره،غادر شارلي شابلن بريطانيا بحثا عن لقمة العيش في الولايات المتحدة الأميركية.

وهناك تمكن من أن يصنع لنفسه مجدا عالميّا خصوصا بعد أن ابتكر عام 1914 شخصيّة “شارلو” في السينما الصامتة. تلك الشخصيّة التي أضحكت الجماهير في جميع أنحاء العالم، ومن خلالها انتقد مبتكرها قضايا العصر الحديث، السياسيّة منها، والاجتماعيّة، والثقافيّة وغيرها.

وقد ازدادت شهرة شارلي شابلن اتّساعا بعد أن أبدع أفلامه الرائعة الأخرى مثل “الوثبة نحو الذهب” (1925)، و”أضواء المدينة”(1931)، و”ألأزمنة الحديثة” (1936)، و”الديكتاتور”(1940).

زوجته اتهمته بإجبارها أحيانا على القيام بما “ينافي الحياء”، لذلك هاجمته بعض الصحف اليمينية والمحافظة

يحتوي كتاب “جولتي حول العالم”على مقالات كان شارلي شابلن قد نشرها في صحف أميركيّة، وفيها يصف تفاصيل رحلته إلى أوروبا عام 1931. وكان آنذاك قد انفصل عن زوجته الثانية “ليتا غراي”، التي اتهمته بإجبارها أحيانا على القيام بما “ينافي الحياء”على فراش الزوجيّة. لذلك هاجمته بعض الصحف اليمينيّة والمحافظة ناعتة إيّاه بـ”المتفسّخ” و”الدّاعر”.

في الآن نفسه كان شابلن يشعر بنوع من الخوف نتيجة ظهور السينما المتكلّمة. وهروبا من كلّ هذا قرّر القيام بجولة في البعض من البلدان الأوروبيّة لتقديم فيلمه “أضواء المدينة”. وفي الثالث عشر من شهر فبراير من سنة 1931، ركب الباخرة “مويتانيا” متجها الى القارة العجوز. وكانت لندن، مسقط رأسه، محطته الأولى.


لقاء تشرشل


في لندن التقى شابلن بالوزير الأول وينستون تشرشل الذي استقبله بحفاوة بالغة، ومعه تحدث عن “ثورة المستقبل”. كما تحدث مع شخصيّات سياسيّة وثقافية وفكريّة مرموقة، وتبادل معها الأفكار والآراء حول قضايا مختلفة.

وكان الزعيم الهندي الماهاتما غاندي من بين تلك الشخصيات. ولم يفوّت شارلي شابلن الفرصة للجلوس مع العمال قائلا لهم إنه “واحد منهم”، وموحيا لهم بأنه يقاسمهم مخاوفهم أمام الأزمة الاقتصادية التي كانت تعصف بالعالم في تلك الفترة.

وفي ملجإ للأيتام كان قد عرفه خلال طفولته الشقيّة، وزّع الحلوى على الأطفال. وفي برلين، التقى شابلن الممثلة الألمانية الشهيرة مارلين ديتريش، وشرب الشاي مع أينشتاين، وعاين المخاطر المحدقة بألمانيا بسبب الصعود السريع للنازيين.

وفي فرنسا، تحدث مع أرستيد دو بريان، وارتاد مراقص شهيرة أمضى فيها ساعات من المرح واللهو بصحبة راقصات جميلات. ومن أوروبا انطلق شابلن إلى آسيا ليقف مذهولا أمام أفواج الجائعين والمعدمين والعاطلين عن العمل وضحابا الأزمة الاقتصادية الذين يعدون بالملايين.

لذلك طالب في كتاب “جولتي حول العالم” بوجوب الاهتمام بأوضاع العمّال. وبعد أن أنجز فيلم “الديكتاتور”، و”الأزمنة الحديثة”، تعرض شابلن إلى هجومات عنيفة من قبل الأحزاب اليمينية في الولايات المتحدة الأميركيّة. بل واتهمته بالتعامل مع الشيوعيين. وقام جهاز الاستخبارات بإعداد ملف ضخم حوله ناعتا إياه بـ”البلشفي”.


إسعاد الناس


الكتابان مثيران للإعجاب، ففيهما نكتشف طريقة شابلن في العمل، ودقّته، وسخاءه تجاه الفقراء والمحرومين

في كتاب “فلوتلايت”، الذي هو عبارة عن رواية قصيرة بـ150 صفحة، نجد نفس الشخصيّات التي أثّثت فيلم “أضواء المدينة”. وفيه يروي شابلن فصولا من طفولته الصعبة في لندن، وبدايات ولعه بالسينما.

كما يستعرض فيه قصة الحب الأولى التي عاشها مع فتاة تدعى هيتي كيلي توفيت إثر إصابتها بالحمى الإسبانيّة عام 1918 وهي في عمر الزهور. ولم ينس شابلن والدته التي أصيبت بالجنون. لذا خصص لها صفحات مؤثرة للغاية في كتابه المذكور.

وبعد أن طرد من الولايات المتحدة الأميركية عام 1952، أي في فترة الماكارتيّة، وملاحقة المثقفين والفنانين المتهمين بالانتساب إلى الشيوعية، عاد شارلي شابلن إلى أوروبا فاستقبل استقبال الأبطال في كلّ من لندن وباريس.

أما في روما فقد قام يمينيون متطرفون بقذفه بالطماطم! وقد علق هو على ذلك قائلا: “لا أريد التحريض على الثورة. فكلّ ما أتمناه هو أن أنجز المزيد من الأفلام لإسعاد الناس، وتسليتهم”.

14