شاب تونسي يبدع في رقصة "تكسير العظام" بلا ساقين

اعتاد ذوو الاحتياجات الخاصة أن يركنوا في خانة الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة ينتظرون لقمة العيش من قريب أو محسن أثارت فيه الشفقة جلسة قرفصاء أو كرسي متنقل في الشوارع المزدحمة حتى صار هؤلاء في نظر المجتمع في مرتبة دون الإنسان الإيجابي الذي ينتج ويبدع ويبتكر، الشاب التونسي آمر القاسمي كسر هذا السائد وانطلق مبدعا في رقصة "البريك دانس" رغم ساقيه الاصطناعيتين.
الثلاثاء 2016/10/18
الفن يعيد طعم الحياة

تونس – يحلق بذراعيه نحو الأفق ويرقص على إيقاع سيمفونية المستحيل ولسان حاله يقول “العجز في العقول وليس في الأجسام”.. إنه الشاب التونسي آمر القاسمي الذي أضحى محط إعجاب بأدائه رقصة “بريك دانس” متحدياً إعاقته في بتر الساقين.

النجاح في أداء رقصة “البريك دانس” على أنغام الموسيقى الغربية الصاخبة وإتقانه لحركاتها، شكّل لـ”القاسمي” صاحب الـ16 عاما، مصدر فخر واعتزاز، ما ساعده على تجاوز الحاجز النفسي للإعاقة التي يحملها والاندماج في المجتمع.

و”البريك دانس” كانت تسمى رقصة "تكسير العظام" ويتم أداؤها على إيقاع موسيقى "الهيب هوب" وتطورت باعتبارها جزءا من ثقافة الراب.

وتعتمد الرقصة على التعبير الجسماني لموسيقى الراب وهي من أصعب وأخطر الرقصات، وأصبحت تسمى في عدة دول بينها تونس “رقصة الشوارع”.

ويقول القاسمي الذي يعيش في مدينة حمام الزريبة بمحافظة زغوان ( 95 كلم جنوب العاصمة تونس) “ولدت سليما معافى لكن مرضا خبيثا ألمّ بي عندما كنت طفلا صغيرا في السنة الثانية من عمري، ما دفع الفريق الطبي المشرف على حالتي الصحية إلى بتر الساقين وتعويضهما بساقين اصطناعيتين”.

لم يكن استيعاب ذلك أمرا سهلا لطفل مازال في مقتبل العمر كما يقول، لكن رعاية عائلته وقرب أصدقائه منه ساعداه على تخطي المشكلات النفسية والانخراط في ناد محلي لكرة القدم سرعان ما غادره بسبب عدم تأقلمه مع عناصر الفريق، إلى أن همس في أذنه أحد أصدقائه عام 2013 داعيا إيّاه إلى الالتحاق بمجموعة من الشبان الذين يرقصون “البريك دانس” في الشوارع والساحات العامة، ما أهّله في وقت وجيز لتعلم فنونها وأدائها في تظاهرات تشرف عليها جمعيات متخصصة والفوز في البعض منها.

ويتابع القاسمي”خضت أدوارا متقدمة في البطولة التي انتظمت في مدينة القيروان عام 2014 وفزت في البعض منها. كان ذلك شعورا جميلا”.

يتوقف لبرهة في ساحة المنزل، ويخلع ساقيه الاصطناعيتين ويضعهما جانبا، ويبدأ في أداء رقصته المحببة بالانطلاق من الوقوف على ذراعيه ونصفي ساقيه، وبعد الانتهاء من الرقصة يكمل حديثه قائلا “البريك دانس فن جميل ويُشعر الراقص بالراحة النفسية”.

القاسمي واجه عدة مشكلات كادت تجبره على الانقطاع عن التمارين بسبب ما اعتبره “إهمال الدولة لمثل هذه الطاقات وغياب فضاءات للتمارين إضافة إلى الثقافة السائدة في تلك المناطق التي ترفض هذه الفنون وتعتبرها غريبة عنها”.

ويضيف “المجتمع هنا ينبذنا ويرى أن كل ما نقدمه من عروض أمرا غريبا، لا نجد فضاءات نمارس فيها هوايتنا، لذلك اخترنا الشوارع والساحات العامة، إنه شكل من أشكال التمرد”.

ولم تتوقف الصعوبات التي واجهت هذا الشاب عند هذا الحد، بل تعرض إلى صدمة نفسية جديدة بعد أن فقد صديقه الذي كان له دور بارز في تعلقه بهذه الرقصة في حادث مروري قاتل.

ويمضي هنا قائلا “شعرت بصدمة كبيرة، فصديقي الذي كان يرافقني في التمارين ولا يغيب يوما عن مساندتي، توفي في حادث مرور، لذلك فكرت عدّة مرات في إنهاء هذه التجربة بشكل حاسم، لكن حبي للبريك دانس جعلني أتراجع عن هذه الخطوة وأعود إلى ممارستها من أجله”.

ويطمح القاسمي إلى تطوير موهبته وصقلها في فضاءات مهيأة للقيام بالتمارين اللازمة وخوض مسابقات دولية خارج تونس “من منطلق أن ذوي الاحتياجات الخاصة قد حصدوا لتونس في الألعاب الأولمبية الموازية ميداليات لم ينجح الرياضيون الأسوياء في تحقيقها”.

24