شاب عربي أسمر يغامر في دنيا الشقراوات وموسيقى الغرب

شهدت شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين نهضة غيرت طبيعتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إذ بدأ التنقيب عن النفط وتوافد “الشُقر” بآلاتهم الضخمة ولغاتهم الغريبة ليحفروا في الصحراء ويؤسسوا لمجتمعاتهم الموازية، إذ بدأوا باكتشاف أهل تلك المناطق وعاداتهم، وإثر هذا التبادل الحضاري أصيب البعض بلوثة الغرب ونسائه وموسيقاه، والعكس أيضاً صحيح، إذ نرى “الشُقر” مأسورين بسحر الصحراء وسكّانها، لتأتي الرواية محاولةً سَبر تلك الصيغة الكولونياليّة الاقتصادية والاجتماعية وتحليل التأثير المتبادل لهذا التماس الحضاري.
الخميس 2016/09/15
أي وجه للغريب بعيدا عن أرضه (لوحة للفنان أنس سلامة)

يحدثنا الكاتب السعودي مقبول العلوي في روايته “البدوي الصغير” عن غسان ورحلته من قريته الصغيرة شبه المنسية في شبه الجزيرة نحو أوروبا وأميركا، وسلسلة التغيرات الفكريّة التي مرّ بها، إلى جانب هيامه وعشقه للموسيقى الغربيّة، وسلسلة المصادفات التي جمعته بشخصيات شهيرة كان لها أثر إما على تاريخه الشخصي وإما على تاريخ المنطقة ككل، فهو الذي سمع حكايات الأميركان والأوروبيين والعرب الذين مروا بالمنطقة وتركوا فيها بصمتهم، لنرى غسان أمامنا نهايةً كائناً هجيناً يرحل من الصحراء نحو أوروبا مطارداً أحلامه.

الأجنبي الغريب

نقرأ الأحداث على لسان الراوي ابن سعدون صاحب الدكّان، الذي يصادق الأميركي مستر ديكان القادم للبلدة من أجل التنقيب عن النفط، تتطور العلاقة بين سعدون وديكان، ليصبحا صديقين حميمين، ليروي لنا غسان/ الراوي ملامح هذه العلاقة الغريبة القائمة على الدهشة المتبادلة بين الاثنين، ومع دخول غسان للمدرسة يحكي لنا عن زوجة معلمه نادين، التي تعلمه الإنكليزية وتعرفه على فرقة آبا السويدية.

منذ تلك اللحظة تبدأ علاقة حب مع نادين ومع الفرقة ترافق غسان طيلة حياته، حتى بعد دراسته للصحافة وعمله في صحيفة عربية عالمية، تبقى الفرقة ملازمة له في أغانيها وكلماتها، بل إنه يكرس الكثير من وقته للكتابة عنها وعن إنجازاتها، في حين أن نادين التي افترق عنها في الصحراء لترحل مع زوجها العجوز، تعود لاحقاً للظهور في السويد، في متحف فرقة آبا، لتبدأ قصة جديدة للبدوي الصغير، الاسم الذي أطلقته نادين عليه حين التقته أوّل مرة.

تغيرات تاريخية

تحوي الرواية، الصادرة هذا العام عن دار الساقي اللبنانية، عددا من النقاط التاريخية التي تضبط السرد، الذي يبدأ مع قدوم الأميركان، ثم الجالية العربية التي عمل أفرادها كمدرسين في المنطقة أثناء السبعينات، لنقرأ عن شخصيات شهيرة دخلت الصحراء ومرت بذلك “اللامكان”، كقيادي حركة فتح، ثم نادين نفسها، الناجية من مجازر حماة التي ارتكبها النظام السوري، كذلك طالع الشوف الذي شارك في حرب 1948 والهزيمة التي شهدها بالإضافة إلى عدد من المستشرقين، لينتهي الأمر بظهور المتشددين والسلفيين الذين قسّموا سكان المنطقة إلى مؤمنين وكفّار.

نتلمس حركة التاريخ في ذاك “اللامكان” وكيف تتم إعادة بنائه وتطويره ليدخل ضمن السياق التاريخي، فالذين كانوا يعتمدون على المقايضة كوسيلة للحصول على مستلزمات حياتهم، بدأت العملة الورقيّة تتغلغل في تفاصيلهم اليومية، وكأننا أمام عملية تأهيل، تكتسب إثرها الجغرافيا المنسيّة أهميّة تاريخيّة عبر الوافدين الجدد، وليتحول سكّانها إلى كائنات تختبر الثقافة الوافدة لها عبر الغرباء، لا إثر نتاجها الشخصي وخبرتها الحضاريّة والثقافيّة.

رحلة عجيبة من الصحراء نحو أوروبا وأميركا

الوهم والحقيقة

ترسم الرواية ملامح الغرابة والإكزوتيكية المرتبطة بالمنطقة التي يؤسس لها “الغرباء” القادمون من الخارج، فغسان يتحول لمشروع شخصي لبروفيسور الصحافة في الجامعة، بوصفه البدوي القادم من الصحراء ويعرف ألفيس بريسلي، وكأن خروج غسان من ذاك “اللامكان” الثقافي يعتبر إنجازاً يستحق الدراسة، والعكس أيضاً صحيح، فالمستر ديكان الذي تأسره الصحراء، نراه يواظب على التقاط الصور في المنطقة، حيث أسرته ملامح الوجوه والتضاريس الصحراوية، بل حتى أنه يعمل على شراء العملات الفضيّة التي يمتلكها سكان المنطقة لندرتها، لتظهر ملامح الموقف الاستشراقيّ، الذي يكون فيه “الغريب” أو”الأشقر” مذهولاً من ثقافة أولئك “البدو”، وبوصفه هو الذي يفتح الباب لسكان “اللامكان” نحو العالم وتغيراته وثقافته ومنتجاتها التي تأسر البدوي الصغير، ففرقة آبا تتحول إلى هوس، تجعل غسان يقضي عمراً في البحث عن أفرادها وملاحقة نتاجهم وأخبارهم.

وبالرغم من الصيغة الرومانسية المرتبطة بهوسه هذا، ينتهي الأمر بخيبة الأمل، إذ يدرك غسان في اللحظات الأخيرة أنه أهدر حياته يلاحق وهماً، صورة على غلاف مجلّة، وبالرغم من الخسارات التي مر بها، كموت والده وانتحار زوجته، بقي الوهم الرومانسي الشعلة التي تلهمه، لكن في النهاية، وكحال أي وهم، نراه يتبدد ويفنى بلمح البصر، إثر صدمة سببها الواقع الذي يفتت الوهم والمتخيلات الشخصيّة، فببساطة، ما نراه في الصور والكاتالوغات لا يشابه الحقيقة، هو صورة متخيلة عنها تلائم ما نريده نحن.

نقرأ غسان بوصفه غريبا دوماً، أشبه بالصحراء التي أتى منها، ومحكوم عليه أن يبقى ضائعا وتائهاً يلاحق سراباً، عَطشاً نحو “الشقراء”، فمرة يراها في مغنية من فرقة آبا، ومرة في ناديا التي أحبها حين كان صغيراً، وكأن “النساء الشقراوات” لوثة أصابته ووالده، فالأخير أسرته مجلات بلاي بوي ونساءها اللاتي لا تشبههن نساء، الفرق أن والده بقي أسير “اللامكان”، لنراه قد فقد عقله قبل موته، وتحول لأضحوكة، في حين أن غسان حاول أن يحافظ على انضباطه، وسعى لأن يبقي هوسه بـ”الصورة” تحت السيطرة كي لا يفقده القدرة على متابعة حياته، مكتشفاً حقيقة الوهم في النهاية، لا كوالده الذي مات مهلوساً بنساء يشاهدهن على الشاشة.

14