شاب مصري يمتهن النحت على عظام الحيوانات بدل المحاماة

محام مصري شاب يستلهم من رؤيته لعظام الحيوانات الكثير من الأفكار، فتتولى أصابعه بحرفية ودقة وإتقان تحويل هذه العظام إلى مجسمات فنية.
الثلاثاء 2018/03/13
دقة وإتقان

القاهرة - قد ينتبه الكثير من المارة في بعض الشوارع المصرية إلى عربات خشبية محملة بعظام الحيوانات ولا يلتفتون إليها، باعتبار أنها في الطريق إلى مربي الكلاب أو سلال المهملات، ولا أحد يعلم أنه ستصنع منها تحف لحيوانات صماء.

وتؤكد متابعة واحدة من هذه العربات وهي تخترق شوارع في القاهرة لتدخل منطقة الحسين التاريخية، أنها تسير نحو هدف معين، لتصل إلى سكة البادستان، المعروفة بـ”ربع السلسلة”، وهي بناية يعود تاريخها إلى العصر الفاطمي وسميت بهذا الاسم منذ كان الوافدون يميزون المكان بسلسلة معلقة فوق باب خشبي عتيق تتوسطه يد حديدية تستخدم كأداة للطرق عليه.

وتوقفت العربة أمام باب عتيق وترجل أربعيني لتفريغ حمولته، قائلا لـ”العرب” إنه يأتي بعظام الحيوانات من منطقة “المذبح” بالسيدة زينب في وسط القاهرة وبعض محلات الجزارة المنتشرة حولها، وأحيانا يجمعها من سلال المهملات المجاورة للمجازر إلى “ربع السلسلة” لبيعها بسعر لا يتعدى الجنيه للكيلو الواحد لورشة صغيرة.

وأضاف محمود حسين أن صاحب الورشة يمنحه إكراميات سخية كي يأتي له بمواصفات معينة من العظام، وهو يتعامل مع تلك الورشة منذ حوالي عشرين عاما.

الإبداع لا يحتاج شهادة علمية، لكنه بحاجة لنظرة مختلفة لأبسط الأشياء التي اعتدنا على رؤيتها

ولم يحجب الباب الذي وقف أمامه شيئا خلفه، فقط تم إسناده على الحائط، لكنه كان فاصلا بين جمال وفخامة منطقة خان الخليلي الأثرية وبين قبح وعشوائية “ربع السلسلة” بعد أن تحول الفندق الريفي الكبير إلى ورش للحرفيين. وظهر على يمين الباب مدخل لأربعة أدوار، تبدأ بدرج علوي متهالك، قد يكون صعوده مرهقا للغاية ويحتاج لانحناء الرأس قليلا. وغرف متناثرة يمينا ويسارا في ممرات متآكلة الجدران يقترب عددها من الخمسمئة معظمها أصبح مغلقا، والغرف الأخرى ينبعث منها خليط من أصوات الآلات مع أغان شعبية وحولها أصحابها إلى محلات صغيرة للحرف المختلفة.

وتوجد على يسار السلم تحف يدوية الصنع معروضة داخل “فاترينة” خشبية، تشبه المتجر الصغير، واجهتها من الزجاج وداخلها تحف مختلفة الألوان على شكل فيلة وجمال وسفن وأحصنة، منها الأبيض والأصفر والبني، وبجوارها لافتة على غرفة كتب عليها بخط عربي أصيل “الورشة الفنية لتشغيل العاج والأبنوس”. الغرفة ملحقة بها أخرى يتم الصعود إليها عبر أربعة أدراج سلم، وذات سقف منخفض، كأنها فصّلت خصيصا لشخص واحد وأدوات عمله.

حرفية عالية
حرفية عالية 

ويجلس شاب في العقد الثالث من عمره على مقعد خشبي شبه متهالك، أمام آلة قديمة تلتف في شكل دائري وسط صخب أصوات منبعثة من راديو قديم.

وكان هناك فارق كبير بين منظر عظام الحيوانات التي تفترش أرضية الغرفة وبين التحف المصنوعة منها، فعندما تتحول الهواية إلى تحد يصبح القبح جمالا والنفايات قطعا فنية رائعة، هذه العبارة تلخص قصة نجاح وائل حسن سلطان، الحاصل على شهادة جامعية في القانون من جامعة عين شمس بالقاهرة.

ويعد سلطان أشهر نحات للعظام في “ربع السلسلة” والوحيد في المكان الذي احترف تصنيع التحف الفنية من أرجل عظام الحيوانات.

ولدى الشاب الثلاثيني قناعة أن الإبداع لا يحتاج أدوات خاصة أو شهادة علمية من أرقى الجامعات، لكنه بحاجة فقط لنظرة مختلفة لأبسط الأشياء التي اعتادت الأعين على رؤيتها، وقتها تتولد أفكار يمكن من خلالها تشكيل ما هو جديد.

وقال سلطان لـ”العرب”، وهو مشغول في صناعة تماثيل صغيرة على هيئة حيوانات، إن عمال الحرف المختلفة نزحوا من قراهم بحثا عن العمل والمال، وانتقلوا إلى “ربع السلسلة” ثم حولوا غرفهم إلى ورش، واحتفظوا بأرائك صغيرة للنوم فيها، وكانوا يذهبون لزيارة أسرهم مرة كل أسبوعين.

واضطر السكان الأصليون بعد فترة من الزمن للرحيل من المكان، في حالة أشبه بهجرة جماعية وهربوا من ضوضاء الماكينات وطقوس الحرفيين الغريبة عليهم.

أعمال لاقت إعجاب السياح
أعمال لاقت إعجاب السياح

وتردد سلطان منذ الصغر كثيرا على ورشة والده، ولم ينفر من رؤية عظام الحيوانات أو رائحتها الكريهة، وكان يتعامل معها بشغف وتفكير، حتى أتقن فن النحت وأضاف إليه لمسات فنية خاصة.

واكتشف منذ نعومة أظافره أنه يملك مفاتيح سر المهنة، ولديه موهبة استطاع من خلالها تشكيل رسومات رائعة وتحويلها إلى مجسمات باستخدام عظام الحيوانات المذبوحة أو النافقة حديثا.  وتغلب الشاب على الرائحة المنبعثة من العظام والمواد الكيميائية المستخدمة، بتركيب أدوات لتوفير هواء نقي.

ولم يستطع التحكم في الشظايا البيضاء المتطايرة من العظام والتي ملأت المكان وتعلقت برموشه وجعلت ملابسه رثة مغطاة بطبقة بيضاء.

 وأكد لـ”العرب” أنه يعمل بمفرده ويقوم بنشر مجموعة من العظام أمامه ومنها يستوحي أفكاره، وقبل ذلك عليه الاختيار بعناية، ويفضل الحصول على عظام الأرجل والفخذين للجمال والبقر للحيوانات النافقة والمذبوحة حديثا لأنها أكثر سهولة في التنظيف والعمل عليها.

وتعد إبرة الخياطة المصنوعة من العظام وبها فتحة، من أقدم الاكتشافات التي عرفتها البشرية، وعثر علماء الآثار على إبر تعود للعصر الجليدي الأول وكانت النواة الأولى لاختراع آلة الخياطة.

ويضع سلطان عددا من العظام في إناء كبير به سائل كيميائي مضاف إليه الأكسجين، حتى يتخلص من المواد الدهنية والنخاع الموجود في داخلها، ليحصل على عظام خالية تماما من الدهون، وتلك المرحلة تساعد على تفتيح لون العظام.

وتنتقل العظام بعد ذلك إلى مرحلة “التقطيع” باستخدام المنشار أولا، ثم تخضع القطع العظمية لماكينة تطلق عليها “صينية”، بها أقراص دائرية حادة لها أسنان متعرجة، ويقوم بتقطيع تلك العظام حتى تصلح لعدة أشكال، ورغم صوت الماكينة المزعج، إلا أنه ينتج مجسمات مختلفة لعرائس وسفن وحيوانات.

وتتولى أصابع الشاب عملية الحفر والبرد لإبراز معالم المجسم بحرفية ودقة وتركيز لأنها كما قال “المرحلة الأهم إما أن يخرج منها شيء أو لا شيء”.

وتعود القطع مجددا إلى إناء المادة الكيميائية لإعادة تنظيفها وتلميعها وإضفاء المزيد من البياض عليها، لتدخل بعد ذلك المرحلة الأخيرة كي تصبح صالحة للعرض والبيع.

ويقوم الشاب بإدخال قطعه الفنية إلى ماكينة “التلميع” وبها فرش كثيرة، فيقرب القطع العظمية إلى الفرشاة أثناء دورانها ثم يمسحها بأداة تستخدم في التلميع، ويعيد تلك العملية أكثر من مرة ليحصل على منتج أملس.

ويختار بعد ذلك اللون المناسب لتماثيله، فإما أن يبقيها على لونها الأبيض وإما أن يكسبها لونا مختلفا كي تبدو طبيعية.

ويصنع سلطان في اليوم الواحد ما يقرب من ثلاثين قطعة مختلفة الأحجام والأشكال، ومؤخرا قام بتشكيل سلاسل وإكسسوارات لتلبية رغبات المشترين.

ويقوم سلطان في فترة الرواج السياحي بتشكيل تحف كبيرة لأنها الأكثر جذبا للسائحين ويتعدى ثمن القطعة الواحدة ثلاثين دولارا.

 واعترف الشاب أن السياح يعرفون جيدا قيمة وجودة تلك التحف ويتعاملون معها كرمز لبعض الآثار التي يصعب الحصول عليها.

وأوضح سلطان أنه شارك في معارض محلية ودولية للحرف اليدوية ليحافظ على مهنته من الاندثار ويبيع ما صنعت يداه بثمن جيد.

20