شاب يدعي الجنون ويرتكب جريمة فادحة

الروائي الأردني قاسم توفيق يلجأ في روايته الأخيرة "ميرا" إلى تقنية الاستباق بذكر الحدث قبل وقوعه والإخبار عنه لكن هذا الأسلوب لم يفقد الرواية التشويق والحبكة.
الأربعاء 2018/08/29
لوحة: شادي أبوسعدة

عمّان - ما يجمعه الحبّ تفرّقه الحرب ويفنيه التطرّف. هذا هو المحور الذي تدور حوله الرواية الأخيرة للكاتب الأردني قاسم توفيق والتي جاءت بعنوان “ميرا”.

يهتم توفيق في روايته، الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون”، بتقنيات السرد الروائي، وينوّع فيها للإحاطة بتفاصيل الأحداث وزيادة تماسكها وترابطها، فيستخدم السرد بضمير الغائب، مقدّما من خلاله وصفا لدواخل الشخصيات ومصائرها دون انحياز لمواقفه وأفكاره.

ويلجأ الروائي إلى تقنية الاستباق بذكر الحدث قبل وقوعه والإخبار عنه، ومن ذلك أنه يخبرنا مثلا في بداية الرواية أن “شادي” سيقتل أمه في النهاية، وهذا يحيلنا إلى الكاتب الكولومبي ماركيز في روايته الشهيرة “قصة موت معلن”، وذلك دون أن يؤثر على عنصري التشويق والإثارة في الرواية.

كما يعمد توفيق إلى حذف وإسقاط فترات زمنيّة دون أن يورد ما وقع فيها من أحداث لا تلعب دورا مباشرا أو مهما في نمو الرواية وشخصياتها، مقدما لنا عناصر حكايته من خلال وصف واقعيّ للأمكنة والأحداث والشخصيات، مضفيا بعدا واقعيّا وحقيقيّا على الأحداث.

تجري أحداث الرواية في تسعينات القرن الماضي، في مكانين رئيسيين هما مدينة عمّان، ومدينة نوفي ساد في يوغسلافيا السابقة. حيث تعيش ميرا، الممرضة اليوغسلافية المسيحيّة، وتقع في حبّ رعد، الأردني المسلم الذي جاء إلى يوغسلافيا للدراسة، وتتزوّجه بعدما اتفقا على أن يظل كل منهما على دينه، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على هذا الزواج الذي أثمر ولدا وبنتا، اندلعت الحرب الأهلية في يوغسلافيا، فأُصيب رعد بالرعب من القتل بسبب ديانته، وقرّر الهرب إلى وطنه الأصلي الذي لم يفكّر سابقا في الرجوع إليه، وحينها لم يكن أمام ميرا من خيار سوى الرضوخ لقرار زوجها، والعودة معه إلى بلاده مع رجاء ابنتهما المراهقة.

أما ابنهما شادي، فقد قرّر أن يبقى وأن يتطوّع مع جيش بلاد أمه صربيا ضد شعب البوسنة، وذلك بعدما فشلت محاولات الأبوين في إقناعه بالعدول عن قراره، وردعه عن المشاركة في الحرب الطائفيّة.

وصلت ميرا مع عائلتها إلى الأردن، وتكيّفت مع أسلوب الحياة هناك، ومارست التمريض مهنتها القديمة، وأصبحت تقدِم خدماتها المجانية لقريبات زوجها ولجاراتها اللواتي كنّ يلجأن إليها لتعطيهن وصفات طبية لأمراض خفيفة، أو لحقنهن بالإبر، أو لمساعدتهن في الحمل والولادة، وبذلك تقبّلها أهل زوجها وجيرانها، باستثناء البعض ممن استنكروا عليها بقاءها على دينها وتمسّكها بعاداتها الغربيّة.

أما رجاء الصغيرة، فقد نُزِعت عنها طفولتها وعذوبتها، وغلبت عليها الشراسة طول الوقت، إذ لم يعد يروق لها لباس أمّها غير المحتشم، ولم تعد تحتمل أن تراها تكلّم جارا أو بقّالا أو رجلا غريبا، فقد انكبّت الفتاة منذ عودتها على قراءة الكتب الدينية، وانضمت إلى جمعية حزبية بإقناع من عمتها العانس الثّرية التي تكفّلت بها منذ عودتها نتيجة ضيق يد أبيها الذي وجد في بقاء ابنته عند عمتها نوعا من التخلّص من عبء احتياجاتها، دون أن يدرك أن العمة ستجعل لاحقا من ابنته فتاة متديّنة متعصّبة.

بعد أن تنتهي الحرب، يُفاجأ رعد وميرا اللذان مضى على وجودهما في عمّان أربع سنوات، باتصال من يوغسلافيا، يخبرهما بأن ابنهما شادي حيّ، وأنه يريد الالتحاق بهما في الأردن. ويعود شادي الذي نجا من الحرب بأعجوبة فارغا من كل شيء يمكن أن يملأ حياة شاب في مثل عمره، فقد قُتل الكثيرون من أصحابه، ولم تعد حبيبته بانتظاره، وهو ملزم باتباع دين أبيه، وأن يعيش عمره على دين أمه، ولذلك رفض الدينَين، وأصبح يرفض كل ما يراه الآخرون صحيحا، وتلبّسته نزعات عدوانية رافضة لكل شيء، ولم يفكّر في البحث عن مهنة يعتاش منها، أو حرفة أو هواية تنشله من وحدته، فتحوّل إلى شاب عابث مغامر لا يتقن غير اللهو، إلى أن قرّر أن يتحوّل إلى الجنون لكي يجد مبرّرا لسلوكياته الشائنة التي لا تتوافق مع عادات الناس وثقافتهم.

شادي الذي قاتل المسلمين في وطن أمّه بالأمس، أقدم اليوم بعد سنوات قليلة من عودته إلى عمّان، على طعن أمه بسكّين المطبخ العشرات من الطعنات، إلى أن تأكد من أنها قد فارقت الحياة، ممزقا جسدها الرقيق الناعم، وذلك بعد أن سمع بعض الرجال الذين خسروا في لعب القمار معه يصفونها بالمومس.

وقيل إن شادي مريض وفاقد للأهلية، وإنه يتعالج من الجنون، ولكن لم يحسَم أمر هذه الفاجعة، ولم يتّفق الناس على رأي واحد يشرح كيف يُقدِم ولد على قتل أمه. لكن شادي وحده مَن كان يعرف الحقيقة.

15