شاب يستشرف المستقبل يقع ضحية نبوءته

"إرادة" فيلم خيال علمي عن جدوى الهروب من المصير والقدر.
الاثنين 2020/07/20
بوح مخيف

تبرز قضية القضاء والقدر والمصير كتحديات إشكالية تواجه الوجود البشري منذ وجد على وجه الأرض، ولكنها في سينما الخيال العلمي تكتسب شكلا آخر، إذ هي قضية أقرب إلى المغامرة المحفوفة بالمخاطر والتحديات.

 لم تبتعد سينما الخيال العلمي كثيرا عن معالجة قضايا تشغل الوجود الإنساني وتشكل تحديّا له من دون أن يمتلك القدرة على إحداث أي تغيير مباشر فيها، لعل أبرزها ثيمة القضاء والقدر اللذين يتدخّلان بشكل أو بآخر في تحديد مصير الإنسان.

ويبدو أن المخرج توني دين سميث من جنوب أفريقيا قرّر خوض المغامرة إلى نهايتها في فيلم “إرادة” من خلال سيرة جيمس (الممثل الكندي توني دين سميث)، الذي تعترية لحظات مثل قصاصات ونثار من الصور المشوّشة، تريه ما سوف يحدث في المستقبل.

جيمس في وضع بائس بشكل عام، يبدو فقيرا وغير قادر حتى على دفع إيجار شقّته بانتظام، ولهذا يلجأ إلى نوع من المقامرة من منطلق قدرته على الاستبصار وتوقّع الأحداث مسبقا وقبيل وقوعها.

ولهذا سوف يلجأ إليه زعيم عصابة لتمرير صفقة ألماس، بعدما اطمئن أن جيمس يمكنه أن يرى كيفية تسليم البضاعة إلى الشخص والمكان المحدّدين بسلام.

أطماع العصابة وتنبؤ جيمس بما هو آت ليسا كافيين للمضي بالأحداث إلى نهايتها الطبيعية، بل إن هنالك ما هو غير متوقّع ولا في الحسبان.

واقعيا يلجأ المخرج بمهارة إلى مزج وتداخل الخطوط السردية ببراعة ملفتة للنظر من خلال سلسلة أحداث تظهر بساطة جيمس ومأساة عيشه، فهو لا يريد بإرادته أن يرى شيئا من المستقبل. لكن ها هو في مواجهة قدره.

الفيلم يعالج وفق سرد شاعري أنانية الإنسان وشراهته ودوافعه العدوانية في مقابل اللاجدوى إزاء المصير المحتوم

ها هو ينتشل فتاة اسمها أنجيلا (الممثلة ماكدا أبانوفيتش) من أيدي العصابة، ويكون ذلك سببا في تعارفهما، بينما يكون ذلك التعارف قضية قدرية لا بد منها بالنسبة إلى جيمس، لاسيما وأن نبوءته تقول إن أنجيلا سوف تشهد ساعة موته.

ومع فقدان المجوهرات التي كان عليه تسليمها تبدأ مرحلة أخرى في البناء الفيلمي، هي مرحلة الصراع المفضي إلى المصير المأساوي لجيمس.

لكن لنكتشف بعد حين قضية كارثية، وهي أن جيمس لم يكن سوى طفل موهوب التقطه باحث متعمّق في عبور الزمن هو إليوت (الممثل بيل مارتشانت) وطوّر قدراته بوصفه فأر تجارب.

لكن التحوّل في الأزمة سوف يدفع جيمس وأنجيلا إلى السفر قاصدين إليوت المتخصّص بقضية مصير جيمس، لكي ينقذه من حقيقة معرفته أن نهايته قادمة عمّا قريب.

وعندما يسأل إليوت جيمس: ولكن أين متّ؟ يكتشف أنه مات في منزل إليوت، ولهذا كان لا بد من فعل شيء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

قضية الموت والمصير في هذا الفيلم تحتل أهمية استثنائية، فضلا عن أنانية الإنسان وشراهته ودوافعه العدوانية في مقابل اللاجدوى واللاأمل التي تيحط بجيمس.

وتتضخم في هذه الدراما قضية الشره البشري، بينما يبدو جيمس وأنجيلا كائنين غريبين عن ذلك العالم، ولهذا تندهش أنجيلا لمجرد مشاهدتها غرفة بسيطة في فندق على الطريق، بساطة إنسانية متناهية تدفعها سريعا إلى فهم جيمس وإدراك المأساة التي يعيشها والعذابات التي عاشها منذ طفولته.

ضحية عالم غرائبي مجنون
ضحية عالم غرائبي مجنون

جيمس وأنجيلا هما ضحية ذلك العالم الغرائبي المجنون حيث ينسحقان تحت وطأة التنافس على الشر، وهو ما لا يجدانه ممكنا بالنسبة إليهما، ولهذا يمضيان في الهروب من قدرهما. لكن ذلك القدر يكون في انتظارهما.

لا يجد البروفيسور إليوت بديلا من حقن جيمس وإعطائه جرعة لا يفيق منها، إلّا وقد ذهب إلى زمن ماض آخر، وذلك في مسعى لتغيير الأقدار عن مسارها، خاصة وهو يشهد مقتل أنجيلا من دون أيّ ذنب بعدما ضحت من أجله وآمنت به ودافعت عنه.

لم يبق أمام جيمس سوى قلب الزمن، ولهذا سوف نعود في سلسلة من المشاهد إلى الوراء وتتوازى أفعال شخصيتي جيمس في صراع إنساني متفجّر حتى تتكامل أمامنا شعرية للسرد السينمائي جوهرها قضية قدرية وإنسانية.

الحاصل أن عنصر الزمن يلعب دورا بالغ الأهمية في هذا الفيلم، فهناك تشابك خلاّق في السرد الفيلمي تم فيه توظيف المونتاج بشكل مميّز، ممّا أتاح انسيابية في الأحداث وتتابعا أضفى عليهما جيمس وأنجيلا جمالية أعمق من خلال أدائهما المميز. وبسبب انهماكنا في عنصر الزمن، تغاضينا عن المكان وارتباطه مع الشخصيات بالتزامن مع مساحة المغامرة وشاعرية السرد التي ميّزت هذا الفيلم.

وإذا توقفنا عند شخصية جيمس، فهي شخصية العناء وهو الموهوب منذ الصغر، ولكن أيّ موهبة تلك التي تجعله يرى مقتل أمه في حادث تصادم سيارة وقد رسم المشهد من دون أن يعلم أنه يجسّد الفاجعة.

دفتر الرسم الطفولي يصبح بمثابة سجل شاهد على تاريخ وحياة وتنبؤات، فحتى أنجيلا تجد نفسها وهي مزروعة هناك في ذلك الدفتر، لأن جيمس يكون قد رآها في خياله بجميع تفاصيلها وملامحها.

على أن إشكالية الزمن التي لا تتاح بالجودة الكافية في الكثير من الأفلام بسبب ضعف طريقة معالجتها، تبدو في فيلم “إرادة” شديدة التماسك، ومثالنا على ذلك الانتقالات الزمانية التي يمثلها البروفيسور إليوت منذ شبابه إلى خريف العمر، وهو لا يزال يتنقل في مساحة المغامرة ومحاولة تغيير القدر والنصيب. ولكن من دون جدوى.

16