شاب يلاعب أجسادا معلقة ويحاول أن يعيد الراحلين

"الأنا الأخرى" عرض صامت يرصد هواجس الفرد في مأساة الجماعة في خضم الصراع على البقاء في ظل السياق السوري.
الجمعة 2019/04/12
شاب ممسوس يرصد فصول وحقائب الشتات

لغايات ثقافية واجتماعية وعقائدية أيضا، لم تكن لمسرح الدمى المساحة الكافية من الحرية والتواجد في الوطن العربي، ما جعل هذا النمط المسرحي قليلا في كم العروض ونوعيتها كذلك، حيث لم تتحرر الدمى بعد، إلا في فضاءات العروض خارج العلب الإيطالية، لكن التحرر الفني وإطلاق الحركة أو حتى شكل الدمية في حد ذاتها، مازال بطيئا في العالم العربي الذي يطابق الرأي المشترك فيه الدمية بالصنم. 

لدى متابعة الأعمال الفنية السورية والمسرحية منها تحديدا، يُلحظ بشكل عام أن للدمى والعرائس مكانة باتت تتمظهر بشكل مغاير في السنوات الأخيرة. وإذا ما تمّ النظر إلى تاريخ الممارسات المسرحية في سوريا، يُلحظ أن أول مسرح عرائس تم تأسيسه في منتصف الستينات.

في تلك الآونة، تم استقدام خبراء في صناعة الدمى من يوغوسلافيا وبلاد شرق أوروبا وكانت أهمهم الخبيرة الرومانية وعضو الشرف في الاتحاد الدولي للعرائس دورينا تاناسيسكو. يضاف إلى ذلك إرث دمى خيال الظل الذي تم إدراجه مؤخرا على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى الصون العاجل في سوريا.

 وعلى الرغم من تدهور هذه الممارسات قبل اندلاع الثورة السورية، إلا أنه يبدو لافتا لجوء المسرحيين إلى الدمية كخيار جمالي بحت يحتّم المزيد من البحث البصري والدراماتورجي الذي يبتعد كل البعد عن استنساخ وتناقل فظاعة الصورة في سياق المأساة السورية.

الأجساد المعلقة

في هذا السياق، يندرج عرض “الأنا الأخرى” للمخرجة مريم سمعان، وهو عرض أدائي صامت مرفق بتجهيز يبرز تقنيات وحرفية مميزة في صناعة الدمى صممتها سمعان بعناية وحيث المؤدي الأساسي للعرض هو حسين الحسن الذي لا يتعدّى عمره السادسة عشرة.

هي خطوة جريئة إذا أن تقدّم المخرجة والمسرحية الآتية من فرنسا، والتي أسست مع عبدالعزيز العائدي فرقة "إيد وحدة دمى"، عرضا صامتا يحاول “محاكاة النفس الإنسانية المتعرية في خضم الصراع على البقاء” في ظل السياق السوري، وأن يجسّد تلك المحاكاة شاب ما زال في طور اكتشاف قدراته الأدائية.

موهبة حسين الذي لم تنبت ذقنه بعد، تبدو واعدة والحماس ظاهر على عينيه حين يؤدي صورة الشاب الحزين الممسوس الذي يرصد فصول وحقائب الشتات. هذا لأن الحلم الذي استُهل به العرض تحوّل إلى حقيقة.

Thumbnail

على وقع موسيقى كنان العظمة، يدخل رجل (عبدالعزيز العائدي) إلى فضاء العرض حاملا مصباحا كهربائيا يسلطه على بقعة من الظلمة تخرج منها سحب دخانية. سرعان ما يشكل تحرك هذا الرجل في الفضاء الذي يظهر شيئا فشيئا كتلة من الدمى المعلقة في الهواء مشهدية صور تتوالى وتجسد فصولا متعددة من الترحال. في لحظة ما سنشعر أن تلك الأجساد المعلقة ذات المصائر المعلّقة تبحث عن خلاص في عباب

البحر وأحيانا أخرى سنشعر، مع تبدل موقع صاحب الضوء الكشاف وتغير الإضاءة، أنهم يجتازون جبالا وسط ضباب كثيف.

بعد المشهدية الأولى، سيصحو شاب من الخلف. كان ينام على صندوق خشبي. سيقربه من كتلة الدمى المعلقة، كما لو أنه يقدّم صندوق الحكايا. وفي سياق العرض سيخرج حسين مجسمات مينيمالية لحقائب سفر متعددة.

تتمحور دينامية العرض على تفاعل الشاب مع الصندوق وكتلة الدمى والحقائب في فضاء العرض، حيث يحرّك حسين الحقائب كالطفل الذي يحرك لعبه الصغيرة محاولا أن يبني فضاء لعب ولكنه محفوف بالقلق. هي محاولة من صاحبة تصوّر فكرة العرض لرصد هواجس الفرد في مأساة الجماعة، بوعي حاد أنه يصعب تركيب حكاية واحدة في عرض أدائي صامت.

اختناق محرك الدمى

من الممكن لكل مشهد أن يبني أكثر من صورة وأكثر من حكاية في ذهن المتلقي. الثابت في كل تلك الحكايا التي سيبنيها مخيال كل مشاهد هو محاولة الشاب، بعد إخراجه مجسمات الحقائب الصغيرة من الصندوق لمواءمة كل حقيبة مع دميتها. كما لو أنه بفعلته الطفولية تلك، يعيد لكل من خاضوا تجربة الرحيل والهجرة والشتات بعضا من ذاكرة وروح.

 فالحقيبة تتحول في بداية عرض مريم سمعان إلى بادرة أمل وإلى محاولة إنقاذ يسعى إليها هذا الشاب الصغير. كما لو أن هذا الترحال يشبه أي سفر آخر: كل هؤلاء الذين رحلوا ليسوا عراة تماما ولم يفقدوا حقائبهم، وعندما يصلون إلى وجهتهم ستعطيهم تلك الحقيبة دفء ما مضى.

Thumbnail

 الصندوق الكبير الذي فتحه حسين، الشبيه بصندوق الحكايا، يحوي قطعا قماشية مرقطة منسوجة بعناية، تذكر بألفة البيت الأول والبطانيات التي صنعتها جداتنا. سرعان ما ستضع الحقائب حسين في حلقة دائرية خانقة تحيل إلى تدمير الدمى والاعتراف نوعا ما بهول المأساة ومحاولة التصالح مع فكرتي الموت والفقدان.

أناقة التشكيل السينوغرافي للعرض وموهبة حسين لم تمنعا وجود بعض الثغرات التي تحتاج بعض التمتين إن توفر الوقت والظروف الإنتاجية الملائمة، إذ يُحسب لكل من العائدي الذي تولى أيضا تصميم الإضاءة ولسمعان تحويل التقشف في الإمكانيات إلى منبع لجماليات واستطيقيات فيها من البساطة بقدر ما فيها من العمق.

 يكفي النظر إلى إضاءة العرض التي اعتمدت في معظمها على ضوء كشاف وعلى تحويله إلى عنصر أساسي فرجوي يبتعد عن كليشيهات هذا الاستخدام الرائج والمعهود في المسرح والذي يحمل في نفس الوقت دلالات مرتبطة بمفهوم العرض الأساسي هو الكشف عن الذات. أما أهم ما يحتاج إلى تمتين فهو العمل على التفاصيل الأدائية الجسدية لحسين.

ويحتاج هذا العرض إلى كوريغراف يحدد ويفند كل حركة لهذا الشاب، مهما كانت صغيرة. إذ بدا حسين في أدائه، على الرغم من موهبته الظاهرة، أنه مجرد محرّك للدمى وليس صورة الذات الأخرى التي تحبسها مأساتها. حينها سيتحول هذا العرض من عرض جيّد إلى عرض حابس للأنفاس.

Thumbnail
14