شادية الأتاسي من رقصة الدم إلى تانغو الغرام

أعماق البشر، من النساء والغرباء والمتطرفين والعاشقين، حقول مجهولة تنهل منها الروائية شادية الأتاسي مشاهد تعتمد التقاليد الراسخة في التصوير الأدبي.
الثلاثاء 2021/01/12
شادية الأتاسي روائية ترصد أزمات الغرباء والمتطرفين

تقول الروائية السورية شادية الأتاسي لـ”العرب” إنه “لا يوجد اليوم خيار أمام الرواية، إذا أرادت أن تكون حقيقية، إلا أن تكون ممسوسة بعذابات البشر، وألا تتشظى بشظايا ما حدث ويحدث، مهما حاولت أن تنأى عن حمأة الدخول في هذا المعترك”.

وتضيف معللة ذلك بأن الواقع بات مكشوفا اليوم و”التكلفة كانت عالية، تكشفت عن وطن ممزق ومنكوب، وعن أيديولوجيات تتماوت، وأخرى جديدة ترفع رأسها، وعن نسيج اجتماعي مهترئ، ومشهد ديني متفاوت، وجنون التطرف”.

غالبا ما يرتبط اسم الأتاسي بالسياسة، فقد ظهر من هذه العائلة عدة رؤساء حكموا سوريا في الماضي، إضافة إلى عدد من رجال الدين والوزراء والمفكرين. غير أن الأدب سرق شادية الأتاسي بعيدا عن اهتمامات أسرتها التاريخية، لتتّجه نحو القصة والسرد، وأحدث أعمالها صدر قبل أسابيع قليلة حاملا عنوانا لافتا وسط الحطام السوري، “تانغو الغرام”.

وتصف الأتاسي عملها الجديد بأنه رواية عن الحب والحرب والفقد والغربة، وهي التي قضت الأعوام الأخيرة في صناعة هذا النص، بين ما تقول إنها “أحزان كثيرة التهمت أيامنا، لكنْ هناك دائما تعويضٌ ما لجعل الحياة أكثر قبولا”.

أصوات متعددة

روايات ممسوسة بعذابات البشر
روايات ممسوسة بعذابات البشر

تكتب الأتاسي بروح إشراقية، بطلها دوما هو الحدث السوري الدامي. أما لغة الكتابة عندها فتنحاز إلى الشاعرية، لتنسج الحدث القصصي الذي يغوص عميقا في المشاعر الإنسانية، دون أن تتخلى عن الجزالة والإمتاع.

درست الحقوق في جامعة دمشق، وترحّلت مع زوجها الدبلوماسي في عواصم عديدة حول العالم، من واشنطن إلى باريس وتونس وجنيف وغيرها. لتعمل في حقل الترجمة في وزارة الإعلام السورية. وبين كل تلك التنقلات في المكان والثقافات، بدا تأثير إيميل زولا عليها كبيرا، ومعه كبار الكتاب الروس. وصدر لها العديد من الترجمات والأعمال من بينها “أنا التي لم أعد هناك” عن دار يافا في الأردن، و”تانغو الغرام” عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت.

في لوحاتها الأدبية التي جسّدها عملها الأحدث الصادر نهاية العام الماضي 2020، يتداخل السرد مع حوارات بطلة الرواية بصفتها تتحدث بلغة المتكلم، عن نفسها وعن الآخرين، ليفسح النص المجال أمام شخصيات أخرى، تتحدث عن نفسها أيضا، ولو بلسان الكاتبة، هذه التداخلات التي تستحضر تباعا، في الرواية، بدءا من الأنا المتحدثة. فيستحيل مناخ السرد الحكائي عند الأتاسي إلى مزيج ما بين راوية الحكواتية وأصوات شخوصها الذين اتخذوا صيغ الـ”هو/ هي”.

عالمها هو المأساة السورية، وتأثيرها على حياتها وحيوات أبطالها. تقول “الجميع كان في حزن، الجميع دون استثناء، الجميع كان شريكا فاعلا ومنفعلا، في حرب اقتلعتنا من أرضنا وحياتنا، من كل ما اعتدنا عليه وأحببناه، فالحرب طافت وطغت وتجبّرت على الجميع، بعضهم طواهم الموت، وأي موت، بالقذائف والذبح والجنون. صيف العام 2012، السنة الثانية للحرب، كان شديد القتامة، رحلت فيه أمي إلى الموت، ورحلت أنا إلى المنفى. تراوغني الذاكرة، أتساءل، لمن يتوجب عليّ القول بقلب منفطر، وبصوت أجهد في جعله محايدا، ومن سيرد عليّ  بلا اكتراث. ذلك الأسى الشفيف، لم أستطع الخروج منه، بقي حيا في  قلبي”.

تدرك الأتاسي أن تفاصيل كثيرة قد تغيّرت، بل إن كل شيء بدا وكأنه يتغير. تمسك بميزان دقيق يرصد تلك التحولات. تروي كيف أن الناس في الحرب لم يعودوا كما كانوا. “أنت لم تعد أنت. تُفاجَأ بأشياء كنت تحسبها ثابتة، يدهشك أن تدرك أنها تتغير، وكم هي الأنا داخلك هشّة، سهل اقتلاعها، أمام هجوم عاصف لتحولات كبرى، فرضت نفسها بقوة. الحرب قالت لنا: هذا أنتم، تعرفوا على أنتم”.

انشطار العائلة

مناخ السرد الحكائي يستحيل عند الأتاسي إلى مزيج ما بين الراوية وأصوات شخوصها الذين اتخذوا صيغ الـ”هو/ هي”
مناخ السرد الحكائي يستحيل عند الأتاسي إلى مزيج ما بين الراوية وأصوات شخوصها الذين اتخذوا صيغ الـ”هو/ هي”

كثيرا ما تنهار المرأة في مشاهد الأتاسي نفسيا، وهي المتمردة التي أرادت لها مكانا قويا في الحياة، أمام قسوة الحرب، ووفاة الأم، وفشل الزواج، واختطاف الصديقة الحميمة، وانكسار اللجوء. وتبدأ بابتداع حياة موازية، عاشت قصة حب معقدة مع كاتب، كان لها دائما المثل والحلم، تراءى لها أنه خرج من روايته، في إحدى الليالي الباردة، ليتداخل الحلم مع الحقيقة، “كنت  أبتعد عن مسار حياتي المعتاد، مطوّقة بالكثير من المجاز الملتبس، أضع قدمي في طريق ممسوس بالغموض، أزداد توغلا به، أردتُ وأحببت هذا التوغل، لم أحاول منعه أو الوقوف في وجهه، ولا إلى أين يمكن أن يقود، حياتي الحقيقية كانت معه فقط”. لكنها تهوي مجددا عندما يختفي الحلم  ويتوقف عن الظهور، لتدرك أن هذا لم يكن إلا خيالا أوضحه لها الطبيب النفسي الذي لجأت إليه وقال “هو حلم خلقته أنت، ليحرض فيك غريزة الانتماء إلى الحياة”.

اختارت لأحد أبطالها صورة المثقف العاشق، بعد أن غدا شخصا آخر، هناك ما انهار في داخله، داهمه الذعر والارتباك، اختار أن يواجه هذا القادم المرعب باستحضار عالم مختلف، ليلوذ بأمان مصطنع، ويحمي نفسه من السقوط، قرر العيش داخله، أغلق كل ما يتصل بضجيج هذه  الحرب، وبدأ في رحلة دمار متواصلة لنفسه. وكان عليها الرحيل مع ابنتها، لتواجه في الوطن البديل، نوعا آخر من الألم والغربة، في شتوتغارت المدينة التي التجأت إليها، حيث ذلّ اللجوء.

تصف الأتاسي ذلك المشهد في أعمالها بالقول “هكذا أصبحت لاجئة تحت الحماية، لاجئة حتى إشعار آخر، حتى يأتي يوم، ربما سنوات طويلة، يقرّر العالم فيه إنهاء لجوئنا، هم وحدهم من ينهونه، لا يحقّ لي إنهاءه، حتى لو متُّ من الحنين، ليس مهمّا أن أموت، ما أنا إلا ملفّ صغير، مجرد دوسيه بين الآلاف من الدوسيهات، قذفته يد لامبالية في قاع جارور كبير، يشبه براد الموتى”.

العلماني والإسلامي

شخوص الأتاسي لا تستسلم، تتمرّد على الحلم الذي كاد أن يودي بها إلى نقطة اللاعودة. وحين تريد لحلمها أن يكون حقيقيا، تلتجئ إلى التكنولوجيا الحديثة
شخوص الأتاسي لا تستسلم، تتمرّد على الحلم الذي كاد أن يودي بها إلى نقطة اللاعودة. وحين تريد لحلمها أن يكون حقيقيا، تلتجئ إلى التكنولوجيا الحديثة

لا تستسلم شخوص الأتاسي. تتمرّد على الحلم الذي كاد أن يودي بها، إلى نقطة اللاعودة. أرادت بطلتها لحلمها أن يكون حقيقيا، فالتجأت إلى التكنولوجيا الحديثة، اتصلت بالروائي، عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، اقتحمت حياته وجعلته حقيقة، استجاب لها وهو العلماني المثقف الذي يكتب عن الإنسان والعدالة والحرية، والمكبل بتجارب وخيبات وهزائم مع نساء، جعلته يفقد إيمانه بنقاء الحب، وهو الذي كان يصف نفسه بأنه “يمرض عندما يحب”، كان يعيش إرهاصات

الحرب في منفاه الصغير، في مدينة حدودية في تركيا، مع ابنته وزوجها الشاب المنغمس مع التنظيمات الجهادية المتشددة، الأمر الذي صدم الروائي العلماني بعمق. فقد عرف ذلك الشاب يافعا وأحبه كابن له، “كريم آخر، من كان يجلس أمامي الآن، يتحدث  بحرارة تبلغ حد الهوس، دموعه تترقرق في عينيه، على وجهه طمأنينة

يقين عميق”. كان ينتمي إلى عالم غريب، عالم آخر، لا ينتمي إليه هو، وكانت ابنته مع هذا الآخر. غشيه ألم عميق، أحس برغبة في البكاء. وسوف يختفي هذا الشاب الذي جرفه التشدّد الديني فجأة دون رجعة.

كان مرتبكا أمام هذا الوجود القوي للمرأة الافتراضية التي اقتحمت حياته. تصف الراوية، ضعفه وحيرته أمام طغيان هذا الحب “هل أيقظت فيه هذه المرأة الحلم الرومانسي القديم، التواطؤ مع ذاكرة الرجل الذي كانه يوما؟ الحلم بضرام حب معقد، حب بلا أمل. هل هو شغف الروائي الذي يعشق أن يلعب، لعبة المرأة الحلم، المرأة الملهمة؟ امرأة تمشي الهوينا، على العشب الأخضر، حافية القدمين، تضفر من الصباحات حقلا من الأزهار، فتلهمه الرواية العصية”.

وكما ترى الروائية العالم وهو يصمت عما يجري في بلادها، تراه أيضا يتآمر ضد الحب العصيّ الذي عثرت عليه أخيرا، حاول العاشقان اللقاء، عبثا، يقول لها الرجل “اسمعي، الأمور معقدة، وعلينا تصحيح توقعاتنا، لن أستطيع القدوم إليك، ولن تستطيعي أنت، هذا حال السوريين اليوم، هكذا قال صديقي المحامي التركي، المختص في قضايا الهجرة: أنتم السوريون عالقون اليوم”.

شارع الأكاسيا

“تانغو الغرام” عمل الأتاسي الجديد، رواية عن الحب والحرب والفقد والغربة، قضت الأعوام الأخيرة في صناعته وسط ما تصفها بأنها “أحزان كثيرة التهمت أيامنا، لكنْ هناك دائما تعويضٌ ما لجعل الحياة أكثر قبولا”
"تانغو الغرام" عمل الأتاسي الجديد، رواية عن الحب والحرب والفقد والغربة، قضت الأعوام الأخيرة في صناعته وسط ما تصفها بأنها "أحزان كثيرة التهمت أيامنا، لكنْ هناك دائما تعويضٌ ما"

“وجدتُ نفسي أجلس على رصيف الغربة، أتطلع بحسرة إلى الوطن البعيد، من وراء الحدود، تؤرقني متتاليات ما حدث، تداعياته وعذاباته والكثير من الأسئلة، القليل من الأجوبة المتناقضة تضج في رأسي، يوضحها ربما المعنى الموجود في مفردة معينة هي ‘العجز”. هكذا تصف الأتاسي حياتها كإنسانة وكاتبة. فقد عاشت أكثر من اغتراب، أول رحيل لها كان عن مدينتها الأم حمص، في انتقالها إلى دمشق. ابتعادها عن تلك المدينة التي استحالت في سنوات الحرب إلى خرائب وحطام انتشرت صوره في كل أنحاء العالم، لم يفقدها إحساسها بالمكان الأول.

في حمص بحثت عن قبر أمّها، وعن رفيقات حياتها، دون جدوى. وهي إذ تعيش اليوم بالقرب من بحيرة لوزان السويسرية، فإن روحها ما زالت معلقة عند ساعة حمص وجدرانها القديمة. ولذلك كتبت “أنا من أسميت هذا الشارع الصغير الواصل بين شارعنا وبولفار (إشالان)، بشارع الأكاسيا، ربما لأشجاره الباسقة والرشيقة المتعانقة، ربما لأكواز العناقيد البيضاء المتدلية من الأغصان. كنت في كل مرة أقترب منها برجاء، عساي أجد فيها رائحة أكاسية بلدي حمص، وأنا أعلم يقينا أنني قد تركت هذه الرائحة يوما هناك، بعيدا في الشارع الصغير مع ذكريات طفولتي التي لن تعود أبدا معطرة بنكهة عطر الأكاسيا، لكن يبدو أن هناك دائما بعض العزاء، فرائحة النعناع الأخضر الطازجة، تهف كلما تحركت نسمات البحيرة، آتية من البيوتات التي تسكنها أغلبية من المهاجرين الغرباء ذوي الوجوه السمراء الذين يشربون الشاي في الصباح ويضعون فيه ورقات النعناع الخضراء، ويتسامرون ويتضاحكون بصوت عال من على شرفاتهم المحجوبة ما أمكن بأصص الزهور، وهم يسترقون النظر بفضول إلى كل عابر للطريق”.

عالمها هو المأساة السورية وتأثيرها على حياتها وحيوات أبطالها، غير أنها تقول إن الجميع كان شريكا، فاعلا ومنفعلا، في حرب اقتلعتها من أرضها

غير أن الأتاسي لا ترى ذاتها جديرة بأن تكون بطلة أعمالها دون غيرها، بل إن حياة النساء عموما، ومثال ذلك واحدة من نساء الجولان شغلت الكثير من مساحة إبداع الأتاسي، كما في قصة “هيلا” المرأة التي أنجبت العديد من الأبناء في ظروف صعبة، في حياة جمعتها مع زوج سكير وعاطل. ربّت أبناءها وحرصت على تعليمهم، قبل أن يسعى أحدهم إلى الهرب من الجحيم السوري إلى أوروبا، عبر البحر الذي جذبه إلى أعماقه.

تبحث الروائية السورية في أعماق البشر، من النساء والغرباء والمتطرفين والعاشقين. تنهل من تلك العوالم مشاهد تعتمد التقاليد الراسخة في التصوير الأدبي، وهو نهج يكاد المتمسكون به اليوم يعدّون على الأصابع وسط ضياع اتجاهات الكتابة السردية.

13