شادي أبوسعدة يستحضر الظل في متاهة الجدار الحي

يكتب الفنان السوري شادي أبوسعدة في تقديمه لأعماله الجديدة في صالة “مارك هاشم” البيروتية، كلمات تختصر أساس البنيان النفسي العام الذي شيّد وفقه أعماله، ليس فقط المعروضة في الصالة، بل تلك التي سبق أن عرضها، فيقول “أستوحي أعمالي من ذاكرة الجدار”.
الخميس 2015/06/18
رسوم أبوسعدة بهلوانية طريفة ولكنها مخيفة

بيروت- استطاع الفنان السوري شادي أبو سعدة عبر فلسفته الفنية الخاصة أن يبدع لوحات لا تقع في شرك التكرار أو الاستعادة العقيمة للفكرة ذاتها. الظل والجدار في لوحاته لا تنضب معالجتهما لا من الناحية التشكيلية ولا من المعنى المراد التعبير عنه.

يقول أبوسعدة: “في داخل كل واحد منا نقيضه، نحن الشيء وظله، الخير والشر، الحب والكراهية، الماضي والمستقبل، الحياة والموت. ماذا لو سجل الجدار ظلالنا؟ ماذا لو لم نكن عابرين؟ ماذا لو علقنا في لحظة سكون؟ هنا أستوحي أعمالي من ذاكرة الجدار، هذه الذاكرة التي أبعدت الجدار عن كونه كتلة صماء لا روح فيها”.

رسم أفلاطوني

انطلق الفنان من نظرية أفلاطون حول ناس الكهف التي يرى فيها أن الناس على هذه الأرض هم مجرد ظلال لأشخاص موجودين بالفعل في عالم المثل. لا يتوقف الفنان عند هذه النظرية، بل يستوحي منها صورا غزيرة.

يستفيض وينوع ويبدل ويقلّب الصور والمعاني، ويُدخل مفردات بصرية ويسحب أخرى ويظلّ خياله يمتطي حصان الممكن المستحيل، حتى يكتمل تشكيليا نسيج هامات وقصص غرائبية تتكلم ليس عن عالم المثل، بل عن عالمنا هذا المليء بالحروب، والنفاق، والموت، والخوف، والشعور بالوحدة.

شادي أبوسعدة يمزج القاتم بالمضيء، اليأس بالأمل ويصر على جعل الظلال في متاهة التصادم أو الحوار مع أصحابها

عالم شادي أبوسعدة مسكون بأشخاص تتلاشى أطرافها، أو لا يبقى منها إلاّ أطرافها، أطراف لها حضور وأهمية أشدّ من صاحبها الغائب “شكليا” وشكليا فقط من اللوحة. كما أن الظلال تتعاظم في بعض لوحاته لتصير أكبر من أصاحبها.

هناك في لوحاته أمور تحدث أو هي على وشك الحدوث، وهي حين تحدث تُنذر بالأعظم. حوادث منها المعقول ومنها ما يتخطى حدود الواقع الظاهر بكثير.

ما يجعل تلك الظلال، وخاصة البشرية منها، مؤثرة في أشكالها وحضورها هي أنها غالبا ما تظهر على جدران مُخربشة ومُتقشرة، إما بفعل الزمن، أو بفعل الإنسان ذاته قبل أن يصير ظلا.

وليس الظل ببريء من تهمة تجريح الجدران، ففي لوحات عديدة يبدو الظل المرسوم وكأنه هو من افتعل هذه الخربشات، كمن يؤثث صمتا أو يخفي أثرا لا يريد ظهوره.

حتى أن بعض اللوحات تبدو وكأنها منطلق لسرد بصري يتمدد ويتفشى في لوحات أخرى. إنه نوع من الاستمرارية لظلال حية لا تكل ولا تمل، تقوم ببهلوانيات لتتسلى وقد تملكتها رغبة عظيمة في الحياة.

طرافة مخيفة

بعض لوحات الفنان، حيث تغلب الطرافة المخيفة، تذكّر ببعض الأفلام السينمائية، حيث تلهو الأشباح في وضع رؤوسها في مكان يديها أو صدرها أو العكس بالعكس

تذكّر بعض لوحات الفنان، حيث تغلب الطرافة المخيفة، ببعض الأفلام السينمائية، حيث تلهو الأشباح في وضع رؤوسها في مكان يديها أو صدرها أو العكس بالعكس.

ما يبقي ظلال أبوسعدة على قيد الحياة، ليست الجدران الثابتة التي تمنعها من الاضمحلال، بل اللهو والمرح الطفولي الذي يكتسب أبعادا مُظلمة حتى في اللوحات التي تضج فيها الألوان أو تكثر.

نذكر من تلك اللوحات، العمل الذي يصور ظل طفل يطلق فقاعات صابون من فوهة مسدس وهو يخفي وجهه خلف يده الثانية، يقف وراءه “شخصه” من دون حركة، شخص داكن اللون ومطرق الرأس.

ونذكر عملا آخر تبدو فيها امرأة تجرّ خلفها صندوقا وتلحق بها ظلالها، عنوان هذه اللوحة “طفولة” ربما في إشارة إلى أن الصندوق يحوي ذكريات الطفولة. ولوحة أخرى يظهر فيها صبي يتفرج على ذاته وهي تقوم بألعاب بهلوانية.

يمزج شادي أبوسعدة القاتم بالمضيء، اليأس بالأمل ويصر على جعل الظلال في متاهة التصادم أو الحوار مع أصحابها. ويبقى الجدار، الشاهد الحي على استمرارية الحياة وبقاء الأمل.

16