"شارع الزعيم".. رواية تكشف عن التحولات العبثية للمدينة العراقية

صورة روائية رومانسية لحياة عبدالكريم قاسم وعلاقته بالسلطة والناس، السرد يقدم تصورا نمطيا للمثقف الذي يتماهى مع أحلامه.
الجمعة 2018/08/17
اعتمد المؤلف في روايته صوت السارد الشاهد

تضعنا الرواية الجديدة للروائي عباس لطيف “شارع الزعيم” الصادرة عن دار “ميزوبوتاميا” بغداد 2018 أمام لعبة ما تتبدى من تلك الثنائيات، وما يمكن أن يعالجه الروائي من تداعياتها النفسية والسياسية والاجتماعية، عبر انفتاح بؤرة السرد على الزمن العراقي خلال مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، ومرحلة الحصار والاحتلال وعبر حيوات شخصيات مضطربة، لكنها ذات أرواح قربانية، وعبر استدراكات يتوسلها الروائي بوصفه قناعا للشخصية الرئيسة، والشاهد على تقديم تلك الشخصيات، والتعريف بالتحولات التي عصفت بعوالمها وبالمكان وبالقيم التي ظلت -رغم الخراب- تعيش أوهامها ومثاليتها وفنطازيتها.

الرواية تتكئ على تقانة صوت السارد الذاتي، والذي يكتب روايته أو شهادته وكأنه يكتب عن الشخصيات التي تشبهه، بوصفها شخصيات مثقفة، ساخرة ومتمردة، لكنها حالمة رغم أضحويتها، مثلما يكتب عن أمكنة يألفها أو يكرهها، إذ هي أمكنة أليفة – البيت، شارع الزعيم، المرسم، المدرسة، وأمكنة معادية- الحرب، الشارع المُفخخ، المنفى، السوق- قسم التصحيح، والتي تُحيل إلى ما تُثيره فاعلية التبئير السردي من التقاطات من جانب، وإلى توصيف حمولات تلك الالتقاطات، من خلال سردنة الصراع بين التاريخ بوصفه أحداثا، والرواية بوصفها تمثيلا قصديا يدرك من خلاله الروائي رعب تلك الأحداث وعلاقتها بسيرة البلاد وسيرة الشخصيات.

سردنة العتبات

شارع الزعيم العتبة الأولى لكنها ليست مهيمنة سرديا في الرواية، إذ تتحوّل إلى لحظة تبئير تتكشف من خلالها وجهات نظر متعددة، لها علاقة بأحداث العراق السياسية، وبالصراعات والانقلابات التي واجه محنتها، فضلا عن علاقتها بيوميات الواقع العراقي من علاقة (والد أحلام) جامع الصور والوثائق برومانسية المكان، إذ يجعل هذا المكان/ البيت في الشارع أيقونته، ومحجته لعلاقته بالرمزية الرومانسية للزعيم عبدالكريم قاسم في الذاكرة الشعبوية العراقية، ولعلاقته مع حبيبته (الابنة أحلام).

عالم المرسم هو العتبة الثانية، حيث يتأطر فيه المسار السردي للرواية عبر هيمنته في ترسيم حركة الشخصيات – جلال المُدرّس، حسن مكرر، سعيد الرسام، وتمثيل أحلامها وإحباطاتها، حتى يبدو وكأنه (عوامة نجيب محفوظ) في رواية “ثرثرة فوق النيل” بكل حمولتها الرمزية، حيث اللغة الفاحشة والساخطة، وحيث يوميات الإحباط واليأس والهروب من الحرب.

صورة المثقف في رواية "شارع الزعيم" أقرب للبوهيمية، فهي شخصية مضطربة، لا منتمية، تبحث عن حلول سحرية

الزمن السياسي يمكن أن يكون عتبة مُتخيّلة ثالثة، إذ تتأطر عبرها هويات شخصيات الرواية، وتكشف عن رعبهم وتمردهم وعن تحولاتهم النفسية والطبقية، فهم شخصيات أليفة (حسن، سعيد، جلال، أحلام، أنهار، الأم رضية) وشخصيات معادية أيضا(نوال، المختار وابنه صالح، سليم، ماجد، الابن، فاضل راضي) والصراع ما بين تلك الشخصيات يأخذ مساره من خلال سلوكها ومواقفها، إذ هي شخصيات حالمة ومهووسة بالحرية مقابل تلك الشخصيات الطفيلية والانتهازية.

 والمنظور إلى السرد الصراعي يتأتى عبر ما تشير إليه سيرة تلك الشخصيات من رفضٍ ومن تحوّل وإحباط ونفي وموت، وإلى طبيعة تشكّلها داخل السياق السردي، فبقدر ما هي شخصيات متخيّلة أو من ورق كما يقول رولان بارت، إلّا أنها تبدو وكأنها أكثر انغمارا بالواقع، وأكثر تعبيرا عنه، وتمثيلا لرعب الاستبداد ويوميات الحرب ومظاهر الخواء والشر والاحتلال والصراع الأهلي.

عمد الروائي إلى مقاربة لأحداث 1958 وأحداث 1963 حيث الذاكرة الدامية للعراقيين، وبروز سوسيولوجيا العسكر، والأدلجة المتوحشة والانقلابات الدامية، وحيث المقاربة الرومانسية لحياة الزعيم عبدالكريم قاسم وعلاقته بالسلطة والناس، وأوهامه عن الانقلابين الذين قتلوه.

أوهام المثقف

الشارع يتحول إلى بطل محوري فيها
الشارع يتحول إلى بطل محوري فيها

هذا المستوى التمثيلي للحدث الخارجي يقابله المستوى الآخر للحدث الداخلي الذي عاشه (جلال) البطل، والراوي، والذي يبدو وكأنه قريب من بعض أوهام عبدالكريم قاسم، وشغفه الفنطازي بالحب والحرية واللذة، فهو يجد في (أنوثة أحلام) لحظة فارقة للخلاص من أزمته الشخصية في البيت، وهي أزمة موهومة، يصطنع لها مبررات تجعله يهمل زوجته، والتي لا تجد في انتشاء مزاجه إلّا عبر علاقاته النسائية، فضلا عن إهماله لابنه الذي يتحول بسبب الإهمال والكراهية إلى شخصية عنيفة و(انقلابية) تتمرد على الأب وتُهدد بقتله.

العلاقة المُتخيّلة ما بين شخصية (جلال) وشخصية عبدالكريم قاسم لا تمثل نصا في التقابل السيرذاتي، بل في طبيعة التقابل بين مزاج الشخصيتين، فكلاهما عمل في التدريس، وكلاهما يعيش حلم التغيير والخلاص، الأول عن طريق الأنثى/ الأحلام، والآخر عن طريق الثورة، لكنّ هذا الحلم ينكسر من خلال تقاطع سردنة الأحداث مع الواقع وفي الرواية، حيث يفقد جلال (ابنه) مثلما فقد عبدالكريم قاسم السلطة وحياته، فضلا عن فقدان عائلة الأب البيت في شارع الزعيم وضياع متحف الوثائق والصور.

صورة المثقف في هذه الرواية أقرب للبوهيمية، فهي شخصية مضطربة، قلقة، لا منتمية، تبحث عن حلول سحرية، وتصطنع حلولا إيهامية ومتعالية، فباستثناء شخصية (حسن مكرر) المتحوّلة من العبثية إلى الواقعية، والتي تقف وراءها الأنثى أيضا، لا نجد في الشخصيات الأخرى بما فيها جلال والرسام سعيد سوى مواصلة لعبة المثقف النمطي الذي يتماهى مع أحلامه- رسم بورتريه استعادي لعبدالكريم قاسم-، أو إحباطاته حيث الفقد والبحث عن حلول إشباعية، وحتى حادثة الشرطي (أحمد بن سعيد الرسام) لا تكسر إيقاع السرد، بقدر ما تكشف عن بعض ملامح اللحظة الفنطازية التي استغرقتها فواجع الصراع الأهلي في بغداد، والتي أراد الروائي أن يعزز من خلالها سيمياء تلك اللحظة العراقية، والنزوع إلى ما يشبه الاغتراب في اللعبة الروائية وتوسيع طاقتها التمثيلية.

14