شارع المتناقضات

الأحد 2017/02/26

من يقول تونس يقول شارع الحبيب بورقيبة، "شانزيليزيه تونس". شارع الحركة فيه لا تهدأ وزيارته تختلف في النهار عن الليل، وفي الصباح عن منتصف النهار، الجولة فيه ممتعة والجلوس في المقاهي الممتدة على طوله أمتع.

حكايات التونسيين والأجانب مع شارع الحبيب بورقيبة تختلف باختلاف الأجيال، فهذا الشارع كما أعرفه أنا يختلف عن ذلك الشارع الذي عرفه والدي مع شباب حركة الطليعة خلال السبعينات من القرن العشرين، وليس بذلك الشارع الذي كان جدي يحدّثني عن معالمه وكيف كان في أوائل القرن الماضي.. فلكلّ حكايته، ولكلّ ذكرياته معه.

سقطت على وجهي حبات مطر أعادت إلى ذهني صورة جميلة غابرة عن شارع الحبيب بورقيبة، وقت الغروب. أناس كثيرون بعضهم يسرع الخطى والبعض الآخر يتمشى على وقع زقزقة العصافير وهي تغرّد أغنية العودة.. هذا الحبيب يشتري لحبيبته وردة، وتلك أمّ أعياها اللعب مع ابنها فجلست تستريح، وذلك أب يحمل على أعناقه ابنته الصغيرة التي تحاول ملامسة الأضواء فوق الأشجار. وذلك جالس يتصفح الوجوه وآخر يتصفح الجريدة، ومن حين إلى آخر يأتي صوت جرس المترو الخفيف، الذي يشق الشارع إلى نصفين، ليوقظنا من أحلامنا.

على وقع جرس المترو، عدت إلى الحبيب بورقيبة اليوم. تغيرت صورة الشارع كثيرا. وتغيرت ملامح الناس أيضا.. لغة الشباب قست ومشيتهم تغيرت. مسحة حزن بادية على الوجوه. حديث المقاهي تطغى عليه مواضيع السياسة وتذمر من غلاء المعيشة. بحثت بين خطوات الناس المتسارعة والقلقة عن ذلك الأب الذي يحمل ابنته على كتفه، والأم التي تلاحق ابنها فلم أجدهما. غابت محلات الأزهار عن ذلك الممشى الطويل، حتى زقزقة العصافير لم تعد نغمتها كالسابق.

“من هنا انطلقت الثورة.. من كان يتصوّر ذلك؟”، تساءلت وأنا أمرّ أمام مبنى وزارة الداخلية، أتذكّر تفاصيل يوم 14 يناير ولا أظن أن أحدا سينساها. كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحا وكنّا مجموعة من الصحافيين والنقابيين والطلبة. في البداية كان أغلب الموجودين مراقبين، ثم شيئا فشيئا بدأت الأشياء تتداخل، وفجأة بدأ الناس يأتون أفواجا، العشرات ثم المئات ثم الآلاف، الصمت يتحول إلى كلام، والهمس أصبح هتافا ثم صراخا.. منذ ذلك التاريخ اكتسى هذا الشارع صفة جديدة زادت من شهرته، إنه شارع الثورة.. شارع الحرية.. شارع تونس بكل تناقضاتها.

في هذا الشارع يقابلك التونسيون الذين رغم سخطهم وغضبهم من حالة البلاد الراهنة تراهم مقبلين على الحياة. لم ينسوا الضحكة رغم القلق. المركب التجاري مكتظّ بالناس وأيضا المحلاّت لا تهدأ فيها الحركة.. المطاعم والمقاهي على جانبي الشارع مازلت على عهدها ملجأ العاطلين ومنبر المثقفين ومجتمع الممثلين ومخبأ العاشقين واستراحة العابرين. اعتصام هنا، ومظاهرة هناك، هذا يشتم ذاك، وتلك تترحّم على الأيام الخوالي، هذا يهاجم وذلك يساعد.. حبيبان وسط الطريق يمسكان يدا بيد ووراءهما امرأة منقّبة لم يعجبها الحال.

24
مقالات ذات صلة