شارع المتنبي.. ملاذ البغداديين الهاربين من الرقابة

الثلاثاء 2013/12/10
أقدم معرض دائم للكتاب في العالم

بغداد- تأسس شارع المتنبي في أواخر العصر العباسي الثالث في عهد الخليفة المستعصم بالله. ويعدّ آنذاك امتدادا لسوق الوراقين "سوق السراي" حاليا، وكان يسمى في ذلك الوقت بـ"درب زاخا" وهي تسمية آرامية. كان مزدهرا بالمؤسسات الثقافية والمدارس الدينية والعلمية، ومن أشهر هذه المدارس مدرسة الأمير سعادة الرسائلي.

بعد سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 1258م/ 656 هجرية ومرورها بما يصطلح عليه بالفترة المظلمة أو مرحلة الانتكاسة الحضارية خبا نجم هذا الشارع وخفت بريقه الثقافي إلى أواسط العهد العثماني حيث تم بناء "القشلة" من قبل الإدارة العثمانية لتكون سرايا للحكومة

واستكمالا لهذا الإنشاء كان لا بدّ من منفذ لخروج العربات الداخلة إليها من جهة ساحة الميدان “ خصوصا وان سوق السراي لا يسمح بذلك لضيقه وازدحامه، ومن هنا جاءت فكرة مد وفتح شارع المتنبي ليرتبط بشارع الرشيد كوضعه الحالي الان وقد سمي بادئ الأمر بشارع "جديد حسن باشا" نسبة إلى المشرف العام عليه وهو رئيس بلدية ولاية بغداد آنذاك "حسن باشا".

ومن ثم أطلق عليه اسم شارع "الأكمك خانة" أي المخبز العسكري باللغة التركية والتي تقع مكتبة النهضة في نفس بنايته الآن، وبعد ذلك وفي عهد الدولة العراقية الحديثة وتحديدا عام 1932 إبان فترة حكم الملك فيصل الأول تمّ إطلاق اسم المتنبي على هذا الشارع تخليدا للشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي.


شارع السر


واليوم، فإذا كانت ثمة رئة لبغداد فهي شارع المتنبي الذي يعدّ أقدم معرض دائم للكتاب في العالم ويمتدّ عمره إلى تسعة قرون. وفي أيام الطاغية المقبور ساهم هذا الشارع عبر العاملين فيه في نشر الكثير من الكتب الممنوعة التي كانت تصدر في أماكن كثيرة من العالم وتهرب إلى العراق لتجد مكانها السري في هذا الشارع، حيث تستنسخ وتباع سرا للقراء المتعطشين للمعرفة.

وربما لا يمتلك هؤلاء القراء أيّة فكرة عن معاناة هؤلاء الباعة في كيفية صناعة الكتاب المستنسخ وعملية توزيعه وسط الرقابة المشددة التي كانت تمارسها أجهزة نظام الموت في الأزمات السياسية التي كانت تعصف بالعراق. فقد تشتد أحيانا المداهمات مما يحرم الكثير من الباعة لقمة العيش بسبب اضطرارهم إلى ترك السوق لفترة طويلة.

يقوم هؤلاء الباعة بترويج الكتب سرا، وتحديدا يوم الجمعة حين يكتظ الشارع بالمثقفين والأدباء والفنانين. أما نوعية هذه الكتب فمعظمها سياسية تفضح دور النظام وأساليبه الإرهابية في تعذيب العراقيين. وكذلك كتب فكرية ودينية ومجاميع شعرية وروايات وكتب نقدية يصدرها أدباء عراقيون يعيشون في المنافي، كانوا قد نجحوا في التخلص من بطش الطاغية.

لعب باعة الكتب المستنسخة والممنوعة في شارع المتنبي دورا مهما وخطيرا في مواجهة نظام الجهل

لذلك أصبح شارع المتنبي رئة العراق الثقافية وأكبر موزع للكتب والمرجع لجميع التيارات، لكونه مصدرا للثقافة السرية. ولا يزال حتى الآن الكتاب المستنسخ مصدرا مهما للكثير من القراء الذين لا يستطيعون شراء الكتب الجديدة بسبب أسعارها المرتفعة للغاية. لقد لعب باعة الكتب المستنسخةوالممنوعة في شارع المتنبي دورا مهما وخطيرا في مواجهة نظام الجهل حين قرروا المخاطرة بحياتهم وحياة أبنائهم وقاموا بتزويد القارئ بكل ما يستجد من كتب جديدة تخص الأوضاع في العراق.

وقد تعرض قسم منهم إلى التعذيب والسجن بتهمة حيازة كتب ممنوعة ككتب العلامة الشهيد محمد باقر الصدر والمفكر حسن العلوي ومذكرات الجواهري ومؤلفات حنا بطاطو وكنعان مكية.


عودة المتنبي


إنها إذن ثقافة الاستنساخ أو ثقافة المواجهة والمعارضة، خصوصا حين نعرف أن أكثر مثقفي العراق عملوا كبائعي كتب في شارع المتنبي. وتعود بي الذاكرة إلى العام 1988 حيث بدأت ببيع كتبي في مقهى حسن عجمي ومن ثم في شارع المتنبي بعد أن بعت كل حاجيات البيت من أثاث ومقتنيات. لقد عاد شارع المتنبي من جديد ليلعب دوره الحضاري والثقافي الذي طمس أيام النظام المقبور.

فقد تأسست جمعية ثقافية اجتماعية بنفس الاسم ضمن مؤسسات المجتمع المدني الحديثة في العراق. وهذه المؤسسة تدار من قبل مثقفين وباعة كتب وأصحاب مكتبات وتمارس الآن دورا ضاغطا في أحياء الثقافة الوطنية الجادة، حيث يجتمع المثقفون نهار كل يوم جمعة في مقهى الشاهبندر بمختلف انتماءاتهم السياسية والمذهبية لمناقشة أوضاع وطنهم السياسية والثقافية والمشروع الديمقراطي للعراق الجديد.

14