شارع المعز لدين الله شهد أغنى قاهرة.. قاهرة المعز

الاثنين 2013/11/18
الطابع المعماري الإسلامي مازال موجودا إلى اليوم في شارع المعز لدين الله

القاهرة- شارع المعز لدين الله هو أكبر شوارع القاهرة الفاطمية، شاهد تاريخي على أبهة الملك، وعظمة القصور التي بناها الفاطميون، ويعتبر عصب مدينة القاهرة منذ نشأتها، ويضم كوكبة من أجمل الآثار الإسلامية في العالم يصل عددها إلى 29 أثرًا، حيث تنفرد تلك الآثار برونق خاص من حيث جمال ودقة وتنوع وضخامة العمارة والزخرفة.

سُمي بهذا الاسم نسبة إلى الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله، الذي بلغ في عهده نفوذ الدولة الفاطمية أقصاه فامتدت حتى شملت بلاد المغرب ومصر، واستطاع ضم جميع البلاد الأفريقية على البحر المتوسط عدا طنجة وسبته، وأصبحت في عهده "المنصورية" في بلاد المغرب والقاهرة في مصر كعبة العلماء والطلاب فعظمت دولته وتدفقت عليها الأموال وعمها الرخاء.

لشارع المعز أسماء عدة فهو أيضًا "بين القصرين" ذلك الاسم الشهير الذي اختاره نجيب محفوظ لتدور فيه أحداث "الثلاثية الشهيرة"، وهو الاسم الذي أطلق على المسافة بين القصر الشرقي الكبير الذي شيده جوهر للخليفة المعز لدين الله، والقصر الغربي الصغير الذي شيده العزيز بالله بن المعز لدين الله، فعرف شارع المعز في هذا الجزء باسم بين القصرين، وكان القصر الشرقي الذي شيده المعز لدين الله آية في الجمال والاتساع.

وذكر المؤرخون أنه كان بتسعة أبواب، وهذه الأبواب هي باب الذهب، وباب البحر، وباب الريح، وباب الزمرد، وباب العيد، وباب قصر الشوق، وباب الديلم وكان يؤدي للمشهد الحسيني والجامع الأزهر، وباب تربة الزعفران وهي محل خان الخليلي الآن، وأخيرًا باب الزهومة. وكانت مساحته سبعين فدانًا، ويصفه المقريزي فيقول: "لقد كان يحتوي على آلاف الحجرات المؤثثة بأعظم الأثاث والمزينة بأبهى الزينات، كما كان يشتمل على جواهر وحلي وفرش وأوانٍ وثياب وسلاح وسروج ولجم، وبيت المال، وفيه جميع ما يكون للملوك.

شارع المعز يزدحم بآثار العمارة المملوكية والعثمانية والأيوبية إلى جانب الآثار الفاطمية، ومن أهم الآثار المملوكية جامع السلطان الغوري، وسبيل وكتاب الغوري الذي أنشأه 909 هـ -1504م، وهو أحد المنشآت الخيرية التي أنشأها السلطان الغوري، ويقع على ناصيته شارع المعز المطل على شارع الأزهر، ومن الآثار المملوكية مسجد السلطان قلاوون "695هـ – 1295م" والسلطان الناصر محمد، ومن الآثار العثمانية المهمة عمارات فريدة.

وحارات شارع المعز لدين الله أيضًا حافلة بالنماذج المعمارية والآثار النادرة، ومن أهمها: حارة الدرب الأصفر وتقع فيها ثلاثة آثار معمارية هي بيت السحيمي وبيت مصطفى جعفر وبيت الخرزاتي وكلها آثار نادرة، تمثل بيوتًا ذات طراز إسلامي فريد فمثلا بيت "السحيمي"هو النموذج الوحيد متكامل العناصر الذي يمثل العمارة الإسلامية، كما يقول المهندس المعماري هشام عبد الغني المشرف على عملية ترميم المنزل، ويتمثل هذا الطراز الإسلامي في المدخل المنكسر الذي يراعي عدم الاطلاع على من في البيت، ومكان استقبال الرجال، وفتحات المشربيات الخشبية التي تطل على الداخل، بالإضافة إلى الزخارف والأسقف المزخرفة والتشكيلات التي تتضمن آيات قرآنية وعبارات من الشعر تتمثل في أبيات من قصيدة البردة للإمام البوصيري، وقد بُني بيت السحيمي عام 1648 بواسطة عبد الوهاب الطبلاوي ثم امتلكه إسماعيل شلبي، وانتهى إلى ملكية أسرة السحيمي حيث اشترته منهم هيئة الآثار عام 1931، وعمر البيت حوالي 350 سنة.

وينتسب المعز لدين الله إلى الرسول (ص) عن طريق ابنته فاطمة الزهراء، وإلى علي بن أبي طالب ابن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة، فهو فاطمي لأنه من سلالة فاطمة، وعلوي لأنه من سلالة علي، وشارع المعز الذي سُمي باسمه اعتزازا بأصله، وفيه الآن أغنى وأشهر أسواق الذهب والفضة والمجوهرات.

لذلك كانت له قداسة من نوع خاص وهو عامر بالمساجد الأثرية والمدارس ذات المعمار الإسلامي المتميز وحسب كتب التاريخ مكانته المقدسة تواصلت سواء في عهد الفاطميين أو الأيوبيين أو السلاطين المماليك، وكانت له تقاليد خاصة. ويمكن للمرء أن يقرأ تاريخه من خلال جدرانه وعلى أبواب المساجد وعلى المنابر والمآذن، و ما يلفت النظر هو التصميم الرائع لجامع الحاكم بأمر الله، ومعمار مسجد "الأقمر" وتتنزه العين في مسجد السلطان قلاوون، وفي مدرسة "الظاهر بيبرس" والمدرسة الكاملية.

ومن أهم المساجد التي تتبدى فيها آية العمارة الإسلامية والتي تعد رمزًا لأهم آثار العهد الفاطمي جامع "الأقمر" الذي أنشأه مأمون البطانحي وزير الخليفة الآمر بأحكام الله، وقد أنشأه عام 1121م، ورغم صغر حجمه فإن له أهمية في تراث القاهرة وذلك للزخارف التي تزين واجهته ولتصميم مبناه ولتأثيره في الهندسة المعمارية فيما بعد، ويعد المسجد من أهم آثار العصر الفاطمي، فالزخارف التي تزين واجهته تعتبر الأولى من نوعها في مدينة القاهرة.

وعندما وضع صلاح الدين الأيوبي نهاية للحكم الفاطمي في مصر عام 1171م مؤسسًا بذلك الحكم السني الأيوبي، تغير الطراز المعماري، خاصة في شارع المعز الذي شهد أيام مجد وفكر الفاطميين، فقد حاول صلاح الدين الأيوبي صد هجمات الصليبين المحتملة وصد من يوالي الفاطميين فنقل مركز الحكم وثقله إلى القلعة، ونشر التعاليم السنية وتمثل ذلك في فتح أبواب مدينة الحاكم الفاطميين أمام المدنيين، وبذلك تغيرت معالم القاهرة، وأصبحت مزدحمة بالسكان، وهدمت القصور الفاطمية وأقيمت الأسواق على طول الشارع "بين القصرين".

أما عن فن العمارة المملوكي فقصر بشتاك الذي يقع في شارع المعز خير ما يمثلها، وقد بناه الأمير سيف الدين بشتاك الناصري عام 1334، وفيه أروع السقوف المنقوشة بماء الذهب، ونافورات مطعمة بالرخام. وفي هذا القصر توجد حوالي خمس عشرة لوحة من كتاب وصف مصر، رسمها الفنانون الفرنسيون الذين كانوا بصحبة نابليون إبان الحملة الفرنسية على مصر، وتصور هذه اللوحات الحياة في شارع المعز، فهناك لوحة لشارع المعز لدين الله، وقصر الأمير بشتاك، ومئذنة مدرسة قلاوون، ودار الشلبي وضريح محمود جنون، ولوحة لجامع السلطان مؤيد شيخ، وضريح السلطان قانصوه الغوري، وغيرها من لوحات تخلد شارع المعز الذي اهتم بتصويره الفنانون الفرنسيون في كتاب "وصف مصر".

هذا هو شارع المعز لدين الله الذي سكنه الحكام والملزك والشخصيات التاريخية الخالدة، هذا هو الشارع الذي يمثل مصر الفاطمية، قاهرة المعز بكل عظمتها وأبهتها، قطعة حية من نسيج التاريخ تتشابك لتنبض بالفن والحياة.

12