"شارع الموسيقى" بحث عن الحرية والحياة من دمشق إلى بيروت

الجمعة 2014/06/20
"شارع الموسيقى" لعروة مقداد في الفن ثورة أيضا

دمشق – بعد فيلمه الأول “بعدنا طيبين” وفيلم “تحت سماء حلب” يحاول المخرج السوري عروة مقداد في “شارع الموسيقى”، ومن خلال كاميراته رصد رحلة مجموعة من العازفين السوريين في عالم الموسيقى والشباب والحرية، من دمشق إلى شوارع بيروت.

نقلنا مقداد إلى عوالم جديدة وشخصيات مغايرة تكسر الصورة النمطية التي اعتادت وسائل الإعلام الجماهيرية أن تصورها من خلال الوجود السوري في لبنان. ثلاثة شبان موسيقيين وشابة مغنية، اجتمعوا في بيروت بعد أن اضطروا إلى ترك بلدهم سوريا بسبب الأحداث التي توالت منذ بدء الثورة، واتفقوا على تأسيس فرقتهم الصغيرة لموسيقى الشارع.

كان منزل أحد أصدقائهم المكان الوحيد المتوفر لديهم من أجل التدريبات. وأصبح شارع الحمراء فضاءهم الوحيد لعزف الموسيقى، هذا الشارع الصاخب في قلب بيروت، يرتاده الكثير من الشباب باعتباره يحوي العديد من الأماكن الترفيهية، ويحدث فيه عدد لا بأس به من الفعاليات والأنشطة الثقافية.

في لقاءاتهم الدورية يبحث هؤلاء الشباب عن ذكرياتهم في سوريا، بين الحنين وأمل الرجوع، يثابرون في عملهم لخلق كيانهم الخاص بهم، بعيدا عمّا يعيشونه يوميا من مشاكل وهموم يُثقلهم بها وضعهم كلاجئين في بيروت.

قطعة موسيقية رائعة، صالحة للحركة الرشيقة، الجميلة، التي يقوم بها الشباب في بيروت. تبدو أشبه بتمثيل كامل ومثالي لما يجري. حيث ساعدت أيضا في الإفلات من فكرة أن اللجوء سيكون مخيفا وغريبا.

في كل جزء من الفيلم ثمة تناغم بين الصور والموسيقى إلى حدّ الاندماج، فالتواصل مع المتفرج بصريا، ومن خلال الموسيقى، يتخطى مفاهيم التصنيف الانطباعية التي يتشبث بها الجمهور. الكلمات لها معنى ذاتي جدا ومحدود جدا، وهي على الفور تحدد التأثير العاطفي المحتمل للعمل الفني، في مستوى هو أقرب إلى اللوحة من الكلمة المطبوعة.

قطعة موسيقية رائعة، صالحة للحركة الرشيقة، يقوم بها الشباب في بيروت، تبدو أشبه بتمثيل كامل ومثالي لما يجري

الأفلام بالطبع تقدّم الفرصة لإيصال أفكار وتأملات معقدة من دون الاعتماد التقليدي على الخطاب. متجاوزة المشكلة مع الأفلام منذ أن نطقت السينما، وهذه الصناعة تاريخيا كانت محافظة ومعتمدة على الكلام، متخذة من المسرحيات ذات الفصول الثلاثة نموذجا لها.

لقد حان الوقت لنبذ الرؤية التقليدية التي تنظر إلى الفيلم كامتداد للمسرحية، فإن لم ننظر إلى السينما كوسط بصري أساسا، فسوف نخفق في اكتشاف الإمكانيات والاحتمالات العظيمة لهذا الفن.

في بيروت ورغم العقبات الشديدة حِول إنجاز فيلم “تحت سماء حلب”، يقول مقداد: “صدفة التقيت مجموعة من الشباب السوري افترشوا شارع الحمراء ليعزفوا الموسيقى دون مقابل. لم أستطع تقبل ذلك، ولم أفهم كيف أن مجموعة من الشباب السوري يعزفون الموسيقى في بيروت، فيما الناس تموت في حلب ودمشق ودرعا وحمص؟”.

يواصل: “نزلت إلى الطريق واستمعت إلى الموسيقى التي يعزفونها. وتزامن ذلك مع حملة متطرفة من الإعلام اللبناني على الشباب السوري يتهمه فيها بتشويه الشكل الحضاري للبلد. ورأيت المتعة على وجوه المارة الذين يصادفونهم. رأيت جنسيات مختلفة تقف وتنصت إلى الموسيقى المؤداة بالإمكانيات البسيطة التي لديهم”. “رأيت ما يشبه مظاهرة موسيقية دون كلمات تحشد جنسيات مختلفة وتقول إن السوري ليس مجرد قاتل أو ضحية. وعندما تعرفت أكثر على هؤلاء الشباب اكتشفت أن العديد منهم كان ممن شارك في المظاهرات. ومنهم من اعتقل، وقد أجبرتهم الظروف إلى مغادرة سوريا.

وأثناء نقاشاتنا المستمرة بينوا لي، ومن وجهة نظرهم فإن الموسيقى بالطريقة التي يقدمونها هي في حدّ ذاتها ثورة”. ويضيف: “أثناء التحضير للفيلم أثير في الأوساط السينمائية نقاش محموم حول ما هو سينمائي وما هو وثائقي أو تقريري؟ وهي مشكلة واجهتني في العمل حول فيلم “موسيقى الشارع”، فكيف من الممكن أن تصنع فيلما سينمائيا في غياب أيّ دعم مادي وأيّة جهة منتجة تستطيع إنتاج فيلم سينمائي بتكلفة كاملة؟”.

عن العقبات التي واجهته عند إنجاز فيلمه قال مقداد: “العقبات الأساسية، هي خوف الكثير من هؤلاء الشباب -في مرحلة كان يسلم فيها الناشطون في لبنان إلى السلطات السورية- من الظهور في فيلم عن الثورة أو ما يتعلق بها، وهذا ما جعل إمكانية الغوص في الشخصيات وظروفها مسألة شائكة”.

من هناك حاول عروة مقداد أن يصنع الفيلم في البداية على تكلفته الشخصية، وقد قدمت له مؤسسة “بدايات” الدعم لإنجاز الفيلم. ومن العقبات التي واجهته أيضا في صناعة الفيلم، سؤال شغل تفكيره كثيرا، وهو ما يتعلق بشكل الفيلم ومضمونه، ما الذي ينبغي أن يقدمه؟ قضية السوريين ومأساتهم في لبنان؟ أم الفيلم الممتع الجميل عن الموسيقى وسط كل الفوضى والدم الذي يسفك. يختم بقوله: “حاولت المزج بين القضيتين، ولا أعرف إن كنت قد لامست إحديهما بحرفية”.

16