شارع تطوان

الأربعاء 2015/09/02

يدور جزء من وقائع رواية “بين خياطات الزمن” للكاتبة الأسبانية مرايا دوينياس، في مدينة تطوان وضواحيها، على عهد الحماية الأسبانية، وتستحضر في سردها شخصيات واقعية وأخرى تخييلية عن زمن تطوان البائد حين كانت عاصمة للفنون والآداب في مغرب النصف الأول من القرن الماضي.

لهذا لقيت نجاحا كبيرا، وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني شهير، تابعه جمهور عريض في أسبانيا وتطوان، وعكَس تلك العاطفة المشوبة للأسبان تجاه المدينة التي يسميها المغاربة “الحمامة البيضاء”، شيء شبيه في اعتقادي بلوعات العرب وحنينهم (الذي ليس منه برء) لدروب “غرناطة” وأسوارها وحدائقها وشعبها المهزوم.

في الممر الرابط بين “ساحة الدوق” و”شارع الدستور” بالمدينة العتيقة لإشبيلية، يوجد شارع بالغ الفخامة، بين مبان من الطراز الباروكي، يعود بعضها إلى القرنين السادس والسابع عشر، تتوسطه مكتبة كبيرة تبيع أحدث الإصدارات في حقول الآداب والمعارف، حين دخلتها مساء يوم أربعاء المشمس، لم تكن مكتظة، لكن عددا من الزبائن كانوا منهمكين في تقليب كتبها، واختيار ما يحتاجون، كانوا في الغالب من الذين عاصروا عهد تطوان الأسبانية.

اقتنيت من المكتبة نسخة من رواية “بين خياطات الزمن”، وحين رفعت عيني، بعد المغادرة، إلى مبنى غير بعيد من مكان المكتبة، لمحت اسم الشارع البهي: “تطوان”، وطبعا توجد مطاعم وحانات ومحلات ملابس وعطور، لكن يوجد بالأساس بشر، يؤمنون بالحياة ويقدسونها، لهذا يحتضن الشارع ليلا عازفين وحواة وراقصي فلامينكو، ممن يشتغلون بشكل منفرد، فالقيثارة لا تحتمل التركيب أو التنويع، تعزف اللحن الرئيس دون تطلع إلى هارمونيا متعددة الطبقات والأبعاد، صداها هو الجسد بارتداداته، حتى الصوت المطرب يسعى إلى محاكاة شطحاتها الممسوسة، التي تناجي الداخل العميق لآلاف العابرين القاصدين الكاثيدرائية وصومعة لاخيرالدا،… كل ما في “شارع تطوان” مبهج للحواس، من العطور الهاربة، إلى الموسيقى، إلى الأضواء، والسحنات، وشلالات الشعر الذهبي المنهمر على الأكتاف البيضاء.

لهذا ينتابك إحساس لاعج بأن حرارة إشبيلية ليست أبدا مسألة طقس، هي خاصية وجدان، تحس وأنت تبطئ الخطى في شارع تطوان بين الظلال والوجوه أن الأشعة اللاهبة لا تصهر الجسد، وإنما تنعشه وتستدرجه إلى دائرة السحر.

استحضرت هذه الوقائع وأنا أعيد التأمل في تلك الصورة النقيضة بالغة البشاعة لموقع “الخزانة الأسبانية” و”سينما أسبانيول” بمدينة “تطوان”، حيث لن تستطيع أن تمرّ لا راكبا ولا راجلا بسلام، إن نهارا أو ليلا، ليس لأنه ثمة تحلق احتفالي حول موسيقي أو راقص، بل لأن الأرصفة والإسفلت صادرهما الباعة الجوالون.

كاتب من المغرب

15