"شارع حيفا" فيلم عن ضيف يتلقى في رأسه رصاصة قناص

العراق يحتاج إلى الكثير من الأفلام الجريئة للخروج من سينما البروباغاندا.
الجمعة 2019/11/22
المتلقي جزء من حكاية الفيلم

بعد المشاركة العالمية الأولى للفيلم العراقي “شارع حيفا” في مهرجان بوسان في كوريا الجنوبية وحصوله على الجائزة الكبرى، وعرضه ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان أيام قرطاج السينمائية، يشارك الفيلم ممثلا للعراق في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ضمن مسابقة آفاق السينما العربية، في حضور لافت لهذا العمل على خارطة المهرجانات السينمائية الكبرى.

في الوقت الذي تعاني فيه بعض الدول العربية الرائدة في الإنتاج السينمائي من قلة الأفلام وربما ضعفها في حال وجدت، تتقدم أفلام أخرى لتتصدر الساحة السينمائية ليس فقط عبر الحضور بل وعبر الجوائز، فالعراق البلد الجريح ورغم حالة الفوضى التي يعيشها، يقاوم شبابه بكل أسلحتهم بما فيها الفن، والسينما تعتبر واحدة من تلك الأسلحة التي يحاول أصحابها المقاومة بها.

يدخل فيلم “شارع حيفا”، للمخرج العراقي مهند حيال، في عمق الحياة العراقية، يقتطع زمنا منها ويرميه في وجه متلقيه. ويُعرف شارع حيفا على أنه أحد الشوارع الرئيسية والهامة والأكثر حيوية في مدينة بغداد العراقية، وأن تسميته جاءت نسبة إلى مدينة حيفا التي تقع شمال فلسطين، بني هذا الشارع قبل انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في العام 1981 ليكون واحداً من واجهات المدينة المعمارية.

ساعتان في العراق

حول ما دفع مهند حيال لاتخاذ هذا المكان مركزاً لأحداث فيلمه، وما يخفيه هذا الشارع من خبايا، يقول مخرج الفيلم إن هذا الشارع يحتوي على قسمين رئيسيين، قسم حديث كان يسكنه الفنانون وأهم أساتذة الجامعات في بغداد إلى جانب الفلسطينيين أنفسهم طبعا، وهذا يعني تشكيلة غريبة إلى حد ما، وقسم قديم يحتوي على المطاعم الشعبية، والأهم من كل ذلك أن شارع حيفا يبعد عن مركز قيادات الجيش الأميركي والتي تعرف بالمنطقة الخضراء ما يعادل خمس دقائق بالسيارة، فكيف سقط هذا الشارع ولمدة عام كامل بيد القاعدة، وكيف يتواجد هؤلاء القناصون الذين يقتلون الناس، وكيف حصلت فيه مذبحة كبيرة هناك، والأوقح من كل ذلك أن الأمر مقصود، فعندما يسألون السفير الأميركي حول هذا الشارع ولماذا لا تتم حمايته من هؤلاء الإرهابيين، يجيب بأن وجودهم يفيد في خلق نوع من توازن الرعب بين الطوائف.

تدور أحداث فيلم شارع حيفا حول ضيف قادم لإحدى العائلات فتصيبه رصاصة قناص، وطيلة زمن الفيلم الذي يمثل زمن الحدث يحاول سكان الشارع مساعدته وإنقاذ حياته دون جدوى، فعين القناص ترقبه. وقد اختار المخرج هذه اللحظة بالذات ولم يرصد الحياة العامة لهؤلاء السكان ومعاناتهم الإنسانية وسط هذا الحصار.

أزمة الهوية أصبحت عقدة داخل المواطن العراقي وأصابته بالخواء، ولذا لا بد من سينما جريئة لتعري ذلك

يوضح المخرج اختياره هذا قائلا “بكل بساطة لأن فكرة الفيلم ومقولته كانت ‘تعالوا نعيش معاً ولمدة ساعتين وسط هذا الضغط العالي مع هذه العائلة وهؤلاء البشر، لكي تعرفوا مدى صعوبة الحياة التي يحياها هؤلاء الناس‘، أما بالنسبة إلى قصة القنص التي ظهرت كحدث رئيسي فلم تكن هدفي، هي كانت مجرد فكرة أو غلاف لحكاية استخدمتها لأحكي عن عملية تحول شاب بسيط لا يملك القدرة على الكلام إلى أمير للجماعات الإرهابية وقاتل شرس، بمعنى أدق ما كان يهمني هو كيف تحولت الضحية إلى قاتل أو القاتل إلى ضحية، فالقناص شاب يعيش بمفرده تماماً ولطالما كان يحاصرني السؤال حول هؤلاء الشباب فهل هم قتلة فعلاً أم ضحية العنف، ولم أصل يوماً إلى إجابة واضحة عن هذا السؤال، وهل ما نعيشه اليوم من حرب داخلية هي حرب أهلية أو طائفية؟ في الحقيقة نحن لا نمتلك إجابات واضحة للأشياء التي تحدث ونعيش في جزء من دائرة، الكل يرى نفسه على حق ويرى الآخرين على خطأ، وهناك أشخاص لديهم ألف تبرير
للقتل بينما آخرين ليس لديهم أي تبرير له“.

سينما بلا خوف

يقول مهند حيال “أردت عبر الفيلم أن يعرف الجميع كم من الوقت سنحتاج نحن كعراقيين حتى نستطيع الخروج إلى الشارع، ربما العشرات من السنين، فنحن نعيش في ظل ظروف صعبة جدا وضغط شديد وأنتم كجمهور عايشتم منها ما يقارب الساعتين فقط، نحن لا نملك متنفسا، وبالتالي لا يمكننا اتخاذ أي قرار فهل نبقى أو نرحل أو نَقتل أو نُقتل، هذا بالإضافة إلى شعورنا بأن هويتنا قد شقت، فالعرب على سبيل المثال يقولون إن العراق بلد عربي لكن هل هو بلد عربي فعلا، وماذا حول العشرات من القوميات المتبقية؟

وبعضهم يقول العراق إسلامي، فهل فعلاً العراق إسلامي؟ وأين الآشوريون والسومريون والبابليون؟ أصبحت أزمة الهوية تشكل عقدة داخل المواطن العراقي وأصابته بالخواء من الداخل، ويتساءل كيف لنا اليوم أن نتكلم بهذه الطريقة البلهاء عن بلد كالعراق مؤسس ثقافياً، بلد كان غارقاً في الشعر والروايات والحكايات القديمة والأساطير، بلد قبل تسعة آلاف عام كان يغني ويصنع القانون ويكتب الشعر ولديه الكثير والكثير، وفجأة يحكمه دكتاتور يقوده إلى العديد من الحروب، ثم يحتله الأميركان، لدرجة أن المواطن العراقي في لحظة ما يقول أنا لست عراقياً، العراق اليوم يحتاج إلى الكثير من الأفلام التي واجبها تشريح المجتمع لآن زمن البروباغندا قد انتهى بالفعل وأثبت عدم فعاليته”.

حاول المخرج في فيلمه إقحام الجمهور في أحداث الفيلم فوضعه تحت تأثير التوتر والضغط العالي الذي تعيشه الشخصيات، ساعده على ذلك طريقته في التصوير التي اعتمدت القرب الشديد من الشخصيات ومن وجوههم وحتى أنفاسهم ومن انكساراتهم ووجعهم، يقول المخرج “أولاً أردت عبر تلك الطريقة من التصوير ونقل الإحساس أن أشير إلى أن القرارات التي تصدر تحت ضغط عال لا يمكن أن تخضع للمنطق، وحاولت وضع المتلقي ليبدو كجزء من الحكاية أو من صناعة هذه الحكاية وليصبح الطرف الثالث الذي سيربط مشاهد الفيلم بعضها ببعض، بمعنى الجسر الذي سيربط شخصيات العمل وسيبحث عن الحكاية معهم، أردته أن يرى بشاعة ما نعيشه وأن يصل إلى الجواب الذي كنت أبحث عنه، هل هذه حرب أهلية أم هي الطائفية”.

ويستطرد محدثنا، السينما في العراق وتحديداً بعد العام 2003، أصبحت تتخذ إما موقفا سلبيا وإما إيجابيا من الدكتاتور، ولكنها نسيت ما نعيشه اليوم، نسيت أن تتكلم عن المجتمع الذي تدمرت بنيته وأصبحت ثقافته واحدة بعد أن كان متمتعاً بالتنوع، صحيح أن صدام حسين قتل هويتنا ولكن بعد العام 2003 تم دفنها، واكتفينا بكوننا ننتمي للطائفة السنية أو الشيعية أو حتى الشيوعية، نحن في الحقيقة ضحايا أنفسنا.

ويتابع “جميعنا كما شخصية سلام بطل الفيلم بطريقة أو أخرى، والقتل لا يتجسد فقط بالرصاص والموت فهناك لحظات أخرى مخيفة أكثر من لحظة الموت نفسها، ونحن كشعب نحتاج للكثير من الصراحة مع أنفسنا، لأنه تحكمنا عصابات لا تعطي بالاً للطائفية ولا حتى للدين وكل ما يعنيها هو الحكم والسرقات واللصوصية، وبالنسبة إلي لم يعد هناك ما أخشى خسارته  وعلى السينما التي أعمل عليها أن تشبهني”.

15