شارع كلوت بك القاهري.. في الماضي كان أجمل

اعتاد الناس على التغني بالماضي الجميل، قد يتضح ذلك من خلال المعمار في العواصم العربية وفي القاهرة بالذات التي تحولت مباني شوارعها ذات الهندسة البارعة إلى مبان باهتة نتيجة الإهمال وغياب الوعي بذلك لدى المواطن والبيروقراطية التي تعطل كل أفكار تسعى إلى التحسين أو مشاريع الترميم، ويعتبر شارع كلود بك ذو الطراز المعماري الكلاسيكي الأوروبي مثالا على ذلك.
الخميس 2015/09/10
الإهمال وراء ضياع تحف معمارية قديمة

القاهرة - في القرن التاسع عشر الميلادي ازدهرت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر، وكان اهتمام حكام مصر الخديوية وقتها بتطوير القاهرة وجعلها قطعة من أوروبا، فبعد إنشاء محطة السكة الحديد بمنطقة باب الحديد (رمسيس حاليا) وشارع محمد علي، فكّر علي باشا مبارك في إنشاء شارع يربط بين محطة القطار وشارع محمد علي، وبالفعل تمّ شق شارع أطلق عليه “كلوت بك” في عام 1872، تقديرا لمكانة الطبيب الفرنسي “أنطوان كلوت” الذي عهد إليه والي مصر محمد علي باشا تنظيم الشأن الصحي للجيش المصري، ومنحه محمد علي لقب “بك” تقديرا لدوره في مواجهة الطاعون الذي حلّ بالبلاد، إلى جانب مساهمته في تطوير النهضة الطبية في مصر بشكل عام.

وكان لكلوت بك دور بارز في إقناع محمد علي باشا بإنشاء مدرسة للطب بمنطقة أبو زعبل عام 1827. لكن بعد عشر سنوات تمّ نقلها إلى قصر أحمد العيني، وباتت تُعرف حاليا بـ”القصر العيني”. وبعد وفاة “كلوت بك” عام 1868، تمّ إطلاق اسمه على أحد شوارع القاهرة الذي يأخذ موقعا استراتيجيا يبدأ من ميدان رمسيس وحتى ميدان العتبة. وكان يمتاز الشارع بالبيوت الفخمة والواجهات الفريدة من نوعها التي لا تتكرر بين المنازل. وافتتح الخديوي إسماعيل الشارع في احتفال شعبي عام 1872، حيث شاركت في تصميمه وتشييده مجموعة من أشهر المعماريين الإيطاليين والفرنسيين والنمساويين، وجاء تصميم الشارع على الطراز المعماري الكلاسيكي الأوروبي.

ويمتدّ شارع كلوت بك من ميدان رمسيس عند نقطة التقائه مع شارع الجمهورية، وينتهي عند ميدان الخازندار حيث شارع محمد علي، ويتميّز بوجود عدد كبير من الفنادق القديمة، وحاز هذا الشارع على شهرة واسعة لدى المصريين والأجانب في عشرينات القرن الماضي، واتخذه الأدباء وكُتّاب السينما نقطة انطلاق لأعمالهم. ومن الأفلام التي دارت أحداثها في الشارع “خمسة باب” و”شوارع من نار” و”المذنبون”، وكان الشارع مسرحاً للبغاء، مما أدى إلى سوء سمعته وهجرة سكانه.

ومع دخول الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، خاف على جنوده من الانحرافات الجنسية وأصدر قانونا يسمح بترخيص بيوت للدعارة. وكان لشارع “كلوت بك” نصيب وافر من انتشار بيوت البغاء بشكل مكثف بين جنباته، حتى أطلق عليه البعض “شارع البغاء”، لا سيما وأن هذه البيوت كانت معروفة ولها مواعيد ثابتة في الفتح والإغلاق، لذلك تمّ إنشاء مستشفى خاص للعاهرات للفحص الدوري الشامل، خوفا من انتشار الأمراض الجنسية.

من الأفلام التي دارت أحداثها في الشارع "خمسة باب" و"شوارع من نار"

ومع الاحتلال الإنكليزي لمصر أصبح شارع كلوت بك مليئا بالصخب والخمر والمتعة والحرام وبيوت البغاء، وكانت هناك أسواق لتجارة الرقيق الأبيض وفقا لقانون أصدره الاحتلال الإنكليزي. وكما كان الأجانب يسيّطرون على كل مناحي الحياة في مصر كانوا يسيّطرون أيضا على أسواق الدعارة، وكانت غالبية العاهرات من الأوروبيات خاصة الفرنسيات والإيطاليات، حتى أطلق عليه شارع “الدعارة المستوردة”، نظرا إلى أن المصريات كن يرفضن تماما ممارسة البغاء مع عساكر الإنكليز.

وكانت توجد في الشارع امرأتان شهيرتان في عالم الدعارة، هما نعيمة مهلبية وسنية شخلع، وكانتا صاحبتي بيت للدعارة في زمن الاحتلال الإنكليزي. ومن القصص المثيرة حولهما وقوع مشاجرة بينهما، بسبب تنافسهما على الزبائن.

فبعد أن نجحت مهلبية في اختطاف زبون ثري من شخلع، أعلنت الأخيرة الحرب على نعيمة، وقامت بجمع أنصارها من السيدات، وقرّرن الهجوم على بيت نعيمة مهلبية، ودارت معركة بين الطرفين انتهت بانتصار شخلع على نعيمة مهلبية، ولم تكتف شخلع بذلك بل قرّرت أن تعلن الانتصار أمام الجميع، فقامت بنزع ملابس نعيمة الداخلية وتعليقها على بيتها، وأقامت ليلة بالمجان لزبائنها.

وظل شارع كلوت بك على حالته غير الأخلاقية حتى عام 1951، عندما أصدرت الحكومة المصرية قانونا بمنع الدعارة وإلغاء تراخيص بيوت البغاء، لما سبّبه من انهيار أخلاقي في المجتمع المصري.

وعقب حادثة حريق القاهرة في 1952 طالت النار أماكن اللهو والخمور في الشارع لتقضي عليها تماما، وبعدها تحوّل الشارع إلى ملتقى للمثقفين والأدباء.

ومع السنوات تحوّلت عمارات الشارع إلى فنادق لإيواء المغتربين عن القاهرة بأسعار زهيدة. كما زادت العشوائية في الشارع، من خلال انتشار الباعة الجائلين ومحلات الملابس ودكاكين الأكلات الشعبية والورش المختلفة.

20