شارع محمد علي شاهدا على حداثة القاهرة وانحطاطها الفني

السبت 2015/08/22
الخديوي إسماعيل افتتح في العام 1872 شارع محمد علي بالقلعة بطول 2.5 كيلومتر

مازال خديوي مصر إسماعيل باشا (1830 ـ 1895) ابن إبراهيم محمد علي حاضراً في حياة المصريين وهو الذي حذا حذو جده محمد علي باشا في السعي لنهضة مصر، مما جعل مراسل التايمز في الإسكندرية في وقتها يكتب لجريدته بأن مصر تُشهد تقدُّمًا حضاريًّا رهيبًا.

فهي قد حقّقت تقدُّمًا عظيمًا منذ حُكم محمد علي، يزيد على التقدُّم الذي حقّقته دول أخرى في 500 سنة. وهذا نتيجة ما شاهده في عام 1863 م، حيث كان عدد المدارس الأولية 185 مدرسة، زادت في عهد إسماعيل إلى 4685 مدرسة، عام 1875 م. وترتبط في وعي المصريين صورتان متناقضتان؛ الصورة الأولى هي صورة الوالي المُسرف الذي أغرق مصر في ديوان، وانتهت إلى احتلالها، أما الصورة الثانية فكانت نقيضة للأولى، بل وتمحوها تمامًا، وهو ما عَبَّر عن الوصف الذي وُسِمَ به بأنه إسماعيل المُفترى عليه؛ نظرًا للإنجازات التي تحقّقت في عهده، والتي شملت نواحٍي كثيرة، وكان من ضمنها الصورة الأبرز التي تجلت أثناء مراسم حفل افتتاح قناة السويس، وهو ما عكس نهضة يسعى إليها الخديوي لتكون مصر كما أرادها قطعة من أوروبا.

من زمن القاهرة الخديوية

عُرف عن الخديوي إسماعيل باشا، منذ أن زار فرنسا لأول مرة، رغبته الشديدة بل وحلمه أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا، وأيضًا بناء إمبراطورية قوية تمتد جذورها إلى عمق أفريقيا، وكان يرى أن تحقيق حلمه سهل خاصّة بعد أن اتجهت الأنظار إلى القطن المصري وارتفاع أسعاره. فقد زادت صادرات القطن المصري إلى السُّوق العالمية من 16 مليون دولار عام 1862م إلى 56 مليون دولار عام 1864 م. لم يكن حُلم جعل مصر قطعة من أوروبا نابعًا من تأثُّرٍ أو إعجاب بما شاهد بقدر ما كانت ثمّة هِواية شخصية للخديوي حيث كان يقول عن نفسه «هوايتي الطوب والمونة»، كما أنه كان يرى أن “الفلوس موجودة، والنية معقودة”، والأيدي العاملة رخيصة ومتوافرة، فماذا ينقصنا الآن؟ فيجيب “الذي ينقصنا هو الخبرة. فلنستورد الخبرة اللازمة”.

لذلك تطلعت أنظاره إلى خبرة المهندسين الإيطاليين والفرنسيين في تخطيط المدن والمعمار. ولم يعدم الخديوي الحيلة لجلبهم، ففي زيارته لباريس عام 1867 لحضور المعرض العالمي، طلب الخديوي إسماعيل شخصيًا من الإمبراطور نابليون الثالث أن يقوم المخطط الفرنسي هاوسمان الذي قام بتخطيط باريس بتخطيط القاهرة الخديوية.

منصات الرقص في شارع محمد علي تذكر كيف استقدمت عالمات أجنبيات من بلاد أوروبية كصافيناز الأرمينية وغيرها، وهو الشارع الذي برزت موهبة الراحلة نعيمة عاكف في بدايتها فيه، ومن الجيل الحالي انطلقت منه الفنانة الاستعراضية لوسي

وفي مقابلة التكليف بين الخديوي إسماعيل وهاوسمان، طلب إسماعيل من هاوسمان أن يحضر معه إلى القاهرة كل بستاني وفنان مطلوب لتحقيق خططه. مما جعل هاوسمان يلتفت إلى نوبار باشا رئيس النظار، ما يعادل رئيس وزراء مصر قائلاً “إن نائب السلطان (إسماعيل) يطلب مني أن أحضر البستانيين والفنانين من كل نوع، حسناً بإمكاني أن أمده بهم، ولكن هل لديكم في مصر رجل يجعل هؤلاء المأفونين يعملون؟”.

أوكل الخديوي لشخصية علي باشا مبارك الذي سافر إلى فرنسا ودرس فيها في عهد أبيه الإشراف بنفسه على تصميم شوارعها وميادينها، وكان مُصرًا على أن تكون شوارع وميادين القاهرة أفضل من شوارع وميادين مدينة باريس.

تخطيط القاهرة الخديوية حوّل القاهرة إلى تحفة حضارية تُنافس أجمل مُدن العالم، ليطلق عليها كُتاب الغرب حينذاك “باريس الشرق”، وقد عرفت حالة الإنشاءات التي قام بها الفنانون والمعماريون الفرنسيون والإيطاليون بالقاهرة الخديوية التي كان كلُّ شارع فيها وكلُّ مبنى له ما يشابهه في أوروبا، فأنشئت دار الأوبرا الخديوية في الأزبكية عام 1868، على نمط دار أوبرا “لاسكالا” في ميلانو، بناها الإيطالي “بيترو أفوسكاني” في خمسة شهور، وأيضا أمر بناء كوبري قصر النيل عام 1871 وهو أقدم الكباري التي أُنشئت في القاهرة، يقع بالقرب من ميدان التحرير، ويتميز بتماثيل الأسود الأربعة، القابعة عند مدخلي الكوبري، قامت ببنائه شركة فرنسية، كما بدأ في إنشاء حديقة الحيوان بالجيزة، وإن كان تم افتتاحها عام 1891 في عهد الخديوي توفيق، وكانت توجد بها زهور ونباتات وأشجار مستوردة، بها قرابة ستة آلاف حيوان، تمثل 175 نوعًا مختلفًا، بينها أنواع نادرة من التماسيح والأبقار الوحشية، كانت تقع على مساحة 80 فدانًا.

وأيضًا حديقة الأزبكية التي أنشأها المهندسون الفرنسيون، والتي كانت بها 800 شجرة نادرة وكشك للموسيقى الحية، تمّ اغتصابها واغتيال نضارتها، وقتل نباتاتها وردم بركتها وتقليص مساحتها حتى لم يبق منها شيء الآن، أما الحديقة نفسها، فقد قُسِّمت وشيّد على جزء منها سنترال الأوبرا، واخترقها شارع 26 يوليو فقسمها إلى نصفين.

نالت الشوارع نصيبًا من التخطيط والتقسيم الذي رُوعي فيه جمال التنسيق وروعة التصوير، فكانت أشجار الأكاسيا والجمّيز على جانبي شارع شبرا، وكان من أهم شوارع القاهرة آنذاك.

في العام 1872 افتتح الخديوي إسماعيل شارع محمد علي بالقلعة بطول 2.5 كيلومتر، في ما بين باب الحديد والقلعة، على خط مستقيم، تم شقه ليصل بين ميدان الرميلة بالقلعة، وهو الذي يتوسطه مسجد السلطان حسن أجمل مساجد العالم، وبين العتبة الخضراء والأزبكية حيث ازدان الميدان بالأيقونة الأكثر جمالا، دار الأوبرا القديمة، وزانه على الجانبين بما يعرف بالبواكي، وشهرة الشارع الذي اتخذ اسمه من اسم مؤسس مصر الحديثة وارتباطه بالفن تعود في الحقيقة إلى أن الشارع قريب من شارع عماد الدين بكل ملاهيه وكذلك ينتهي الشارع عند حديقة ومسارح الأزبكية وأيضا دار الأوبرا وروعي في تصميم الشارع وجود البواكي التي تميزه، والتي كانت تهدف إلى حماية المشاة من حرارة الشمس صيفًا ومن هطول الأمطار في الشتاء! وثمة ميزة تجارية تتمثل في عرض المبيعات فيها وتعليقها على حوافها.

بعد أن كانت إحدى سمات أعراس مصر وطهور أبناء الأثرياء إحياء عالمة من شارع محمد علي لها، ترنح هذا الميراث بعدما سيطر الدي جي على هذه الحفلات، ثم تلا هذا سوق المهرجانات الغنائية فصار أوكا وأورتيجا معلميْن من معالم الغناء الشعبي، وحل شعبان عبدالرحيم بزيه الشعبي ملكاً على سوق الغناء

جاءت شهرة الشارع الفنية لارتباطه بمحيطه الفني أو ببؤرة القاهرة الفنية والمسرحية والغنائية والسينمائية التي أحاطت به متمثلة في شارعي سليمان الحلبي وعماد الدين، والأخير مازال يُعرف حتى الآن بشارع الفن، وقد ساهم إلى حد كبير في تشكيل الصورة التي لازمت شارع محمد علي، فشارع محمد على كان مقتصرًا على صناعة الأدوات الموسيقية مثل الطبلة والعود، وفساتين الرقص التي كانت العوالم يرتدينها أثناء عملهن في إحياء الأفراح أو حفلات الطهور. وقد اعتاد الناس وخاصة الفنانين أثناء زفافهم أو زفاف أبنائهم أن تحيي أفراحهم عالمة من شارع محمد علي.

العالمة في، مدينة العوالم، كما يصفها جليل البنداري في مقال قديم عن شارع محمد علي وعالماته في مجلة آخر ساعة، يسمونها “الأُسطى” وفيهن الأُسطى التي تأخذ في الزفاف مئة جنيه، وفيهن الأُسطى التي تقيم في غرفة لا يدخلها النور والشمس والهواء! وكانت العالمة -في ما مضى- غنيّة أو فقيرة لا تستعمل في مواصلاتها سوى العربة الكارو، أما الآن فقد انحسرت شهرة الشارع بعد حريق القاهرة وقد غادرت هذه البؤرة الأضواء إلى شارعي الهرم وجامعة الدول العربية لاحقًا، حيث النوادي الليلية والملاهي.

حسب الله وعدوية

أشهر المقاهي التي كانت تعد الملتقى لأهل الفن والطرب كان مقهى التجارة، الذي ارتاده أصحاب الفرق الموسيقية والعازفون وفنانو المنولوج والأغاني، ومن حديثي الفن الذين يبحثون عن مكتشفيهم. كما ارتاده أيضاً سماسرة الأفراح والمناسبات المختلفة لإحياء هذه الليالي. وكان صاحبه يونانياً وجعله مقهى وباراً أيام مجد الشارع، ومن أشهر الفرق التي تأسّست فيه فرقة “حسب الله” أحد الموسيقيين العاملين بجوقة الخديوي إسماعيل آنذاك، والذي خرج من الخدمة ليشكّل أول فرقة موسيقية تتقدم الجنازات وتحيي الأفراح، وأشهر رواده الآن الريس بيدة صاحب اللحن الشهير “السح الدح أمبو”، وأيضًا العربي سلطان أحد منولوجستات الأفراح.

ويفخر الشارع بوجود مجموعة من العمارات القديمة التي بنيت في القرن التاسع عشر مع بناء منطقة وسط القاهرة في عهد الخديوي إسماعيل، بنيت على الطراز المعماري الفرنسي، وفق عمارة الركوكو والباروك والبواكي، وقد قطن فيها العديد من الفنانين الراحلين، وتوجد بعض المحال الباقية من الزمن الجميل التي تعمل على بيع الآلات الموسيقية، وتصنيعها في ورش تابعة لهذه المحال، حيث يعتبر أصحابها أن المهنة مهددة بالانقراض لكن الذي يجعلهم يواصلون العمل فيها حبهم للفن وللصناعة التي توارثوها أباً عن جد.

يُلخص الروائي علاء الأسواني التغيرات التي طرأت على بنية المجتمع المصري، متخذًا من عمارة يعقوبيان الشهيرة مثلا والتي كانت واحدة من معالم وسط البلد في عهد القاهرة الخديوية، من خلال اتخاذ غرف السطح التي كانت مخصصة كغرف للتخزين لأصحاب الشقق، كغرف للمعيشة للعمال والحرفين، ما أنتج معه العشوائية والسوقية بعدما تبدلت الأنظمة وحلت التغيرات، ولم تبعد الحال عن كافة أجواء القاهرة فالتغيرات حلت وصبغت كافة معالم هذه المدينة التي كانت ذات يوم قطعة من أوروبا كما أرادها منشؤوها، وهو ما انعكس على كافة الشوارع فشارع الفجالة الذي كان سوقًا شهيرًا للمكتبات اعتلت رفوف الكتب الأدوات الصحية، نفس الحال هجر الفنانون شارع محمد علي إلى شارع الهرم وبقي بعض أصحاب المهن التي كانت مصدر رواج للشارع ذات زمان، يُمارسون مِهَنهم على استحياء يقصدهم، بعدما حلَّت الفوضى التي يصنعها الباعة الجائلون، الطلاب القادمون من أكاديمية الفنون ليقتنوا الأعواد ومستلزمات دراستهم، كما أن معظم المحال التي كانت تبيع الآلات الموسيقية أغلقت وفتحت مكانها محال ومولات تجارية، فعلى حدٍّ قول أحد قاطنيه “الشارع الآن يشبه سوقاً شعبياً كبيراً”، بعد أن تغيّرت غالبية الأنشطة الفنيّة إلى تجارة الهواتف الجوّالة ومواد التغليف والزنكوغراف.

الشارع يفخر بوجود مجموعة من العمارات القديمة التي بنيت في القرن التاسع عشر مع بناء منطقة وسط القاهرة في عهد الخديوي إسماعيل، بنيت على الطراز المعماري الفرنسي، وفق عمارة الركوكو والباروك والبواكي، وقد قطن فيها العديد من الفنانين الراحلين

في ظلِّ حالة الإسفاف التي سيطرت على سوق الغناء، فبعدما كان أحد سمات أعراس مصر وطهور أبناء الأثرياء تحييه عالمة من شارع محمد علي، ترنح هذا الميراث بعدما سيطر الدي جي على هذه الحفلات، ثمّ تلا هذا سوق المهرجانات الغنائية فصار أوكا أورتيجا معلميْن من معالم الغناء الشعبي، بعدما كان الشارع شاهدًا على نجومية المطرب أحمد عدوية، مثلما حلّ شعبان عبدالرحيم بزيه الشعبي وأغانيه ذات الرتم الواحد على سوق الغناء الشعبي، واعتلت منصات الرقص عالمات استقدمن من بلاد أوروبية كصافينار أو صافيناز الأرمينية وغيرها، وهو الشارع الذي برزت موهبة الراحلة نعيمة عاكف في بدايتها فيه، ومن الجيل الحالي انطلقت منه الفنانة الاستعراضية لوسي.

ولم تكن صدفة أن يقوم سعد الصغير الذي يعدّ واحدًا من جيل من المطربين الذين اعتدوا على التراث الفني الثرّ الذي تركه جيل من الفنانين عاشوا وترعرعوا في جنبات هذا الشارع، عندما قام بتمثيل فيلم قصة “الحي الشعبي” في عام 2006، وبصورة أو بأخرى أرى أن الفيلم يحمل في مضمونه تصويرًا للمآل الذي آل إليه أصحاب الحرف أو المهن التي كانوا يمتهنون منها، فأصابتهم الفاقة والديون فلم يجدوا بديلاً إلا في البحث عن ابنتهم التي كانت مفقودة واكتشفوا أنها تقطن إحدى المدن الجديدة ورغم إجادتها للغناء إلا أنها كانت على نقيض أسرتها في مفارقة تعكس حجم التبدلات، فبغنائها الغربي استطاعت أن تسدّد ديون أسرتها.

المفارقة أنه ورغم أهمية الشارع إلا أنه سقط، ربما سهوًا، ذكره في كتاب حمدي أبو جليل “القاهرة حكايات وحواديت” الذي يعدُّ بحقٍّ ذاكرة لشوارع مصر، وأرشيفًا لها، ربما المبرر الوحيد أن المؤلف ركز على شارعي عماد الدين وشارع نجيب الريحاني، ذاكرا أنه أشار إليه في معرض حديثه عنهما.

اللافت والمثير في آن معًا أن هذا الشارع في أحد أوجهه مثلما شهد سطوع العديد من الذين صاروا نجومًا وعلامات في الحركة الفنية، كان ـفي الوقت ذاته ـ شاهدًا على بداية الكاتب والمؤرخ محمد حسنين هيكل حيث بدأ أولى خطواته في عالم الصحافة بتحقيق أجراه عن العالم السري للعوالم وبائعات الهوى.

شارع الفن والحضارة

التبدل الذي ظهر في صورة أغاني الدي جي والمهرجانات، وحلول مِهن جديدة في شارع الفن القديم، لا تمت بصلة لهوية الشارع وأصالته، ما هي إلا نموذج من الحالة التي تمرّ بها مصر من تغير، ولكن مع الأسف للأسوأ، وبتوسع وهو ما عبرت عنه رضوى عاشور في روايتها قطعة من أوروبا، فعندما سأل الحفيد بطل الرواية الناظر «ماذا صنعتم يا جدي؟ كيف أوصلتمونا إلى ما نحن فيه؟ وهو السؤال الذي حرك شجون الجد الذي تركته زوجته وهجره أبناؤه، ويريد أن يعرف ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ فلم يجد بديلاً إلا أن يحكي له صورة مصر القديمة التي بناها الخديوي بعدما فشل في العثور عن جواب مقنع. فقرر أن يكتب رواية يجيب فيها على هذا السؤال الكبير، والملغز أيضًا: ماذا حدث؟ ولماذا؟

13