"شاركني هذا الفالس" لزيلدا فيتزجيرالد.. رواية ساحرة

رواية تفيض بالتناقضات والانتقالات الصارخة والمزاجية، وتدخلنا إلى عوالم النساء اللواتي انخرطن في موجة الفلابرية في عشرينات القرن الماضي.
الأحد 2018/08/19
زيلدا فيتزجرالد... كتبت روايتها وهي في ذروة مرض نفسي

اسم زيلدا فيتزجيرالد غير معروف للقارئ العربي، إلا إن ألحقنا بالاسم مقولة “زوجة الكاتب الأميركي الشهير سكوت فيتزجيرالد”. فمعظمنا يعرف سكوت وقرأ رائعته “غاتسبي العظيم” وشاهد الفيلم المقتبس عن الرواية والذي حصد الكثير من جوائز الأوسكار عام 2013. ومعظمنا يعرف سكوت ولا أحد يعرف زيلدا.

 قد يذكرها البعض من قراءته لرواية أليف شافاق “حليب أسود” الذي تتحدث فيه عن شخصيات نسائية إشكالية، إلّا أنّ هذا ليس كافيا ليجعل منها شخصية معروفة للقارئ العربي. تداخلت حياة كل من زيلدا وسكوت، وضمنت لهما تركيبة هذه الحياة المعقدة والغريبة لقب أشهر ثنائي في العشرينات، تحوّلا على إثره إلى رمز وأيقونة للشباب القلق في زمن الوفرة والبحبوحة الاقتصادية آنذاك.

يتجلى هذا التشابك في حياتهما الشخصية، والذي تكشفه رواية “شاركني هذا الفالس” أكثر من أيّ سيرة ذاتية تتناولهما، وفي الكتابة أيضا إن قرأنا أعمالهما بتمعن.

ولسوء الحظ فإن شراكة زيلدا مع سكوت وتشابك أقدارهما جعلا من مهمة أخذ سيرتها جانبا أمرا صعبا. في ما يتعلق بسكوت كانت زيلدا “مُلهمته”- كما قال في مناسبات عديدة- ألهمته في تكوين شخصياته النسائية ومن أهمها شخصية “روزاليندا” في روايته “هذا الجانب من الجنة” المنشورة عام 1920، والتي كتبها وباعترافه الشخصي من أجل أن توافق زيلدا على الزواج منه وهذا ما حدث بعد نشر الرواية بأشهر، وشخصية “ديزي” في روايته الأشهر “غاتسبي العظيم” والمنشورة في عام 1925.

أمّا بالنسبة لزيلدا فقد كان سكوت الحبيب والزوج والصديق الأناني والمُتحكم والرقيب على إبداعها. تفضح الدراما التي سبقت ولحقت كتابة رواية “شاركني هذا الفالس” الكثير عن الجحيم الذي عاشت فيه زيلدا.

هذه المرأة، التي لم تستطع الفكاك من ظل شهرة زوجها، كتبت روايتها الوحيدة وسط اضطراب عصبي لم تكن قادرة على كبحه وناجم عن خيبات متتالية وقلق وجودي جنوني وحساسية أنثوية أرق من جناح فراشة

 فقد عانت من اضطراب نفسي شديد إبان اكتشاف سكوت علاقتها بطيّار فرنسي أثناء استقرارهما في منطقة الريفيرا الفرنسية وبناء على هذا حبسها في المنزل. كان لهذا السجن القسري تأثيره الكارثي على زيلدا مما أدى إلى انهيارها وأصبحت على إثره زائرة دائمة للمصحات النفسية.

وفي إحدى زياراتها وبعد نوبة عصبية شديدة طلب منها طبيبها الخاص أن تكتب يوميا كنوع من العلاج. وأتت رواية “شاركني هذا الفالس” ثمرة ستة أسابيع من الكتابة اليومية المحمومة والعُصابية.

عندما انتهت زيلدا من الرواية قدّمتها إلى ناشر سكوت الذي بدوره سلّم المخطوط إليه ووقعت الكارثة، فقد فضحت الرواية كل تفاصيل حياتهما الشخصية عندما كانا في فرنسا، وهذا لم يعجب سكوت الذي قام بتعديل الرواية كما أراد إلى أن أصبح راضيا عن هذه النسخة التي بين أيدينا.

لا يمكن لمن سيقرأ “شاركني هذا الفالس” أن يتجاوز التقاطعات بين حياة بطلة الرواية آلاباما وحياة زيلدا. آلاباما وزيلدا امرأتان غرائبيتان تنحدران من أصول برجوازية جنوبية ومتزوجتان من شخصين مشهورين عتّما على مواهبهما.

حكاية امرأة قلقة
حكاية امرأة قلقة

كلتاهما امرأتان قلقتان تطاردهما الأحلام في زمن البحث عن “الحلم الأميركي” وهواجس الخيانة الزوجية والعلاقات الغرامية والقضايا الخاسرة والأمومة المشوهة.

تفيض رواية زيلدا بالتناقضات والانتقالات الصارخة والمزاجية. النص أشبه بجسد ألقت عليه زيلدا كل تقلباتها وأهوائها ومخاوفها وأحلامها وخيباتها ونزقها، والأهم علّقت عليه موهبتها المدفونة.

ستدخلنا هذه الرواية إلى عوالم النساء اللواتي انخرطن في موجة الفلابرية في عشرينات القرن الماضي (والفلابرية اتجاه ساد خلال عشرينات القرن الماضي حيث تحدّت النساء الأعراف في مجال اللباس والسلوك. اشتهرت النساء اللواتي اتبعن هذا الأسلوب بالتدخين في الأماكن العامة والاستماع إلى موسيقا الجاز) وحتى فترة الكساد الكبير في أميركا الثلاثينات.

 فبرغم الحريات التي حصلت عليها النساء في الظاهر كالتدخين علنا وحرية اللباس وتقصير شعورهن، كانت الموجة صرخة من أجل تحقيق تغيير اجتماعي تصبح معه النساء أقوى، إلّا أنّه ورغم التحدي الصريح لقيود المجتمع بقيت عوالم النساء الداخلية رازحة تحت العبودية الذكورية بأشكالها المختلفة؛ عبودية الأب والحبيب والزوج، وهذا ما أثبتته زيلدا بطريقة غير مباشرة في هذه الرواية.

تحدثت كاتبات نسويات أميركيات من الموجة النسوية الثانية بصراحة عن فشل الفلابرية في تحقيق العدالة والمساواة للنساء ومن بينهن الكاتبة النسوية شولاميث فايرستون.

 قد تكون المرأة حصلت على حق التصويت إلّا أنّ هذا لم يمنحها الحرية السياسية، فهي لا تزال محكومة بأدوات وقوانين السيّد، وامتلاك المرأة حرية التصرف علنا، حرية التعبير الجسدي، لا يعني أنّها امتلكت جسدها. لا يزال هذا الجسد ملكا للعائلة أولا وللزوج ثانياً وللأطفال ثالثا وبمجموعهم يصبح هذا الجسد ملكا للمجتمع. كانت الفلابرية موجة انفتاح ظاهري لم تقم على أيّ أساس فكري ولهذا انتهت بهزيمة وبخيبة كبيرة للنساء اللواتي كُنّ يأملن في تغيير واقعهن. قاربت زيلدا هذا من خلال هواجس وخيبات بطلتها، آلاباما، فمع كل اصطدام بأدوات المجتمع للسيطرة على جسدها وعقلها كمنت لها خيبة ما بالمرصاد.

لايمكن لمن سيقرأ {شاركني هذا الفالس} أن يتجاوز التقاطعات بين حياة بطلة الرواية آلاباما وحياة زيلدا. آلاباما وزيلدا امرأتان غرائبيتان تنحدران من أصول برجوازية جنوبية ومتزوجتان من شخصين مشهورين عتّما على مواهبهما

فهناك أولا الأب الذي لم يثبت نفسه سوى كرقيب صارم وغير راض على الدوام والزوج القاتل للطموح والأناني والأمومة العبثية التي أثبتت نفسها كعبء أكبر مما يمكن تخيله.

وبناء على هذا يُقرأ العنوان كصرخة تطالب بإنهاء التبعية للذكر المسيطر وللأدوار المستهلكة ودعوة إلى مشاركة جميع الأطراف في هذه الحياة التي تشبه رقصة الفالس دون أن يُقصى أيّ أحد فالكل مهم وأساسي لنجاح الرقصة.

إنّها الراوية الوحيدة التي كتبتها زيلدا فيتزجيرالد في حياتها وهي تحمل، بعد كل التعديل الذي أجراه سكوت على الرواية، تاريخا دسما.

عندما قرأت الرواية للمرة الأولى سُحرت بالغرائبية والسحر والخوف والضعف في عالم زيلدا فيتزجيرالد وهذا ما أغراني بالدخول إلى أراضي الرواية الخطرة. ومع خوضي في هذه الأراضي، كقارئة، بدأ شغفي بهذه المرأة يكبر.

فهذه المرأة، التي لم تستطع الفكاك من ظل شهرة زوجها، كتبت روايتها الوحيدة وسط اضطراب عصبي لم تكن قادرة على كبحه وناجم عن خيبات متتالية وقلق وجودي جنوني وحساسية أنثوية أرق من جناح فراشة.

11