شارل أزنافور الأرمني الفرنسي صاحب أطول تاريخ موسيقي في العالم

ملك المسارح شارل أزنافور أطرب محبيه من حول العالم لسبعة عقود متتالية، بحقيبة مليئة بالأغاني تخطت الألف أغنية، أنشدها بصوته العذب الذي وصل لعدة أجيال.
السبت 2018/10/13
شارل أزنافور.. قمة الفرنكوفونية تنطلق في أرمينيا تحت ظلال عملاق الغناء

افتتحت قبل يومين القمة المنتظرة بين الدول الأعضاء في المنظمة الفرنكوفونية التي تضم 84 حكومة ودولة في العاصمة الأرمينية يريفان، لتعيين الرواندية لويز موشيكيوابو على رأسها، لتكرس بذلك انتصارا عظيما للقارة الأفريقية.

أما أرمينيا فتمر عليها هذه القمة تحت ظلال رحيل عملاق خرج من أرضها الصغيرة وأصبح رمزا عالميا تعتز به فرنسا قبل الجميع. إنه المغني الفرنسي الأرمني شارل أزنافور الذي كان من المقرر أن يحضر إلى يريفان، ليشهد تكريما خاصا، لكنه رحل قبل أن يرى كيف سيدشن ماكرون مركزا ثقافيا أطلق عليه اسم أزنافور.

 رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان قال في خطابه في افتتاح القمة “مرحبا بكم في أرض أرمينيا الخالدة” ووجه تحية تكريم لروح أزنافور قائلا “لقد حمل اسم أرمينيا”.

حقا لقد أطرب أزنافور الجمهور الفرنسي ومحبيه من حول العالم لسبعة عقود متتالية، بحقيبة مليئة بالأغاني تجاوز عددها حاجز الألف أغنية، أنشدها بصوته العذب الذي وصل لعدة أجيال. ملك المسارح الذي كان ينوي الاحتفال بعيد ميلاده المئة على المسرح وهو يغني للناس، غيبه الموت في الأول من شهر أكتوبر الجاري عن عمر ناهز 94 عاما.

المختلف والبارع

أزنافور مختلف تماما عن كل من سبقه ومن جاء بعده أيضا. هو حالة فنية ليس لها مثيل، يغني بطريقة مسرحية تأسر كل من يشاهده، لديه تعبير جسدي ولغة عيون يسبقان أداءه الغنائي، غنى  بأكثر من خمس لغات وباع خلال حياته أكثر من 180 مليون أسطوانة. والرقم بالتأكيد مرشح للزيادة أسوة بالمغنين الذين فارقوا الحياة لكن مبيعاتهم ازدادت بشكل كبير في ما بعد، مثل الأسطورة الأميركية مايكل جاكسون.

أرمينيا تمر عليها القمة الفرنكوفونية حزينة على وقع رحيل عملاق تحدّر من أرضها الصغيرة وأصبح رمزا عالميا تعتز به فرنسا قبل الجميع. إنه المغني الفرنسي الأرمني شارل أزنافور الذي كان من المقرر أن يحضر إلى يريفان، ليشهد تكريما خاصا

 وعلى الرغم من كونه مغنيا وكاتبا موهوبا، إلا أنه حاول الدخول في مجال التمثيل والدبلوماسية، ونجح في الكثير من المحطات. كان أزنافور محافظا دوما على روح الشباب بعيدا عن التشاؤم بشأن المستقبل.

بقي نشطا في عالم الموسيقى طوال حياته، ومنحته قناة “سي إن إن” الأميركية ومجلة التايمز عام 1988 لقب “المغني الأكثر تنوعا في القرن العشرين”، ووصفته الغارديان بأنه فرانك سيناترا الفرنسي، كما حصل العام الماضي على نجمة في ممر هوليوود للمشاهير، بالإضافة إلى العديد من الجوائز والتكريمات العالمية.

شنون الصغير

ولد أزنافور عام 1924 في باريس، من أبوين أرمنيين هما مايكل أزنافوريان ونار باغداساريان اللذان كانا محترفين في مسارح أرمينيا قبل أن يجبرهما العنف العرقي على الفرارِ إلى فرنسا، على متن إحدى السفن التي نقلتهما من إسطنبول في تركيا، إلى مدينة سالونيك اليونانية، ومنها إلى ميناء مرسيليا الفرنسي، وكانت العائلة بانتظار الحصول على تأشيرة سفر لتتابع رحلتها إلى الولايات المتحدة، ولكن شاءت الصدف أن تستقر في فرنسا، وينجب الأبوان شنون أزنافوريان الصغير في باريس، الذي غير بنفسه اسمه في ما بعد إلى شارل أزنافور.

اهتم الوالدان بموهبته منذ طفولته. فتلقى دروسا في الغناء والرقص، وكان أول وقوف له على المسرح في الثالثة من عمره حينما ردد القصائد الشعرية الأرمنية في إطار حفل خاص كان يجمع عائلات أرمنية مقيمة في باريس.

ومن إلقاء الشعر اتجه الصغير إلى التمثيل وهو في سن التاسعة، حين اشترك في مسابقة لاختيار بطل مسرحية حملت عنوان “الطفل”، ففاز بالدور، وقام بأدائه بطريقة أثارت إعجاب كل من حضر المسرحية التي عُرضت في المسرح القومي الباريسي، فكتبت عنه الصحف والمجلات، وأصبح “الطفل المعجزة” بوصف بعض الصحافيين الذين توقعوا له أن يتحول في المستقبل إلى ممثل كبير، ولم يتخيلوا أنه سوف يجمع بين التمثيل والغناء وأن نجوميته ستبدأ اولا من الغناء.

جذبت الموسيقى ذلك الفتى إلى حد كبير، فتعلم العزف على البيانو ليستطيع أن يترجم ما يخطر بباله من ألحان. تعلم العزف بسرعة فائقة وبدأ بتأليف الأغاني وبيعها إلى مغنين ومغنيات ليقدموها في إطار وصلاتهم الغنائية في الحفلات، وعند بلوغه سن الثامنة عشرة من عمره، كان في رصيده الفني خمس مسرحيات وفيلم سينمائي والعديد من الألحان.

أزنافور حالة فنية ليس لها مثيل، يغني بطريقة مسرحية تأسر كل من يشاهده، لديه تعبير جسدي ولغة عيون يسبقان أداءه الغنائي
أزنافور حالة فنية ليس لها مثيل، يغني بطريقة مسرحية تأسر كل من يشاهده، لديه تعبير جسدي ولغة عيون يسبقان أداءه الغنائي

بدأ أزنافور يصطحب الفنانين الذين رددوا أغنياته على البيانو في الحفلات العامة والخاصة. العمل كان في بادئ الأمر مع مغنين ومغنيات من الدرجة الثانية، ومع ازدياد شهرته كمؤلف وملحن موهوب، اختارته نجمة الأغنية الفرنسية إديث بياف، التي كانت تشجع الفنانين الجيدين من الشبان، ليكون عازف البيانو في فرقتها الخاصة، وهنا كانت نقطة التحول في حياة أزنافور الفنية، حيث حثته بياف على الغناء منفردا، يقول أزنافور في أحد لقاءاته التلفزيونية “لولا بياف لما اتخذ مشواري اتجاهه الحالي، وأنا اعترفت بعدم نيتي أساسا خوض تجربة الغناء حينها. إيديث بياف هي التي نصحتني بالتوقف عن إعطاء ألحاني وكلماتي لغيري وبترديدها بنفسي، لأني الوحيد القادر على إبراز معانيها بالطريقة التي أردتها عند الكتابة في أول الأمر”.

استجاب لنصيحة بياف، واقتنع بضرورة ترديد أغنياته بنفسه، ورغم اتخاذه هذا القرار بقي يشعر بشيء من الخجل وقلة الثقة في إمكانياته الصوتية. فشكل ثنائياً مع مغن اسمه بيار روش، واستطاع بهذه الطريقة مواجهة الجمهور بشجاعة وترديد أغنياته بلا خجل، فلاقى الثنائي شعبية واسعة جدا في فرنسا والدول الأوروبية الناطقة بالفرنسية.

السينما تليق بأزنافور

ومع مرور الوقت، اكتسب أزنافور النضج الذي طالما افتقده، ومع ذلك لم يتمكن من التخلص من العمل على شكل ثنائي، إلى أن تدخلت بياف مرة ثانية عندما حضرت إحدى حفلات أزنافور مع شريكه روش، ودخلت إلى كواليس المسرح عقب العرض وسألت أزنافور بنظرة حادة “متى ستعثر على الشجاعة اللازمة لمسك زمام حياتك بنفسك والعمل بشكل فردي؟”. كان ذلك الكلام القاسي بمثابة صفعة قوية تلقاها وعجز عن الرد عليها تماما في نفس اللقاء، لكنه رد في صباح اليوم التالي حين اتصل بروش وأخبره بانتهاء تعاونهما الفني، وعن رغبته في خوض تجربة الأداء الفردي بكل ما في المسألة من خطورة ومجاذفة بالنجاح المكتسب سالفا في إطار الثنائي المشترك.

وبدأ أزنافور رحلة الغناء منفردا بإصرار ونجاح، سجل عدة أسطوانات بصوته، وأقام العديد من الجولات العالمية، وبألحانه الأكثر رواجا مثل “يجب أن نعلم”، “تهملين نفسك”، “أصدقائي، أحبائي”، “البوهيمية”، “خذني” وغيرها الكثير، كان النجاح حليف أزنافور في كل خطواته الفنية في فرنسا وخارجها. ونال الاعتراف الذي أراده في حفلة كان يحييها على مسرح “أولمبيا” الباريسي الكبير، حينها فوجئ بوجود بياف في الصف الأول من الحضور.

عبرت أغنيات أزنافور القارات ونال نجاحا مبهرا عاما تلو العام. أراد أن يتوج ذلك النجاح في السينما، فجسد عدة أدوار في أفلام سينمائية مختلفة الأنواع، من عاطفية وبوليسية وأفلام حرب، لكنه كان واعيا لوضع حاجز بين المهنتين بمعنى أنه لم يظهر في أفلام استعراضية أبدا، وفضل التمثيل البعيد عن صورته كمغنّ حتى لا يصبح المغني الذي يمثل، كما يحدث مع الكثير من المغنين العالميين.

مع الوقت فرض أزنافور نفسه كممثل، واستطاع أن يجعل الجمهور يفرق بين أزنافور الممثل وأزنافور المغني، وحسب تعبيره في أحد لقاءاته الصحافية، هذه أجمل مكافأة حصل عليها في حياته المهنية.

الأرمني الوفي

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان لم ينس في خطابه في افتتاح القمة أن يقول "مرحبا بكم في أرض أرمينيا الخالدة" موجها تحية تكريم لروح أزنافور الذي قال عنه إنه "حمل اسم أرمينيا"
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان لم ينس في خطابه في افتتاح القمة أن يقول "مرحبا بكم في أرض أرمينيا الخالدة" موجها تحية تكريم لروح أزنافور الذي قال عنه إنه "حمل اسم أرمينيا"

رغم شهرته العالمية كأشهر مغن فرنسي، إلا أنه لم ينس يوما علاقته بأصله وبلده الأم أرمينيا، وترجم ذلك على أرض الواقع في العديد من المناسبات، أهمها عندما ضرب زلزال مدمر شمال أرمينيا عام 1988 راح ضحيته بين 25 إلى 50 ألف شخص، وأصيب أكثر من 130 ألفا آخرون. عندها أطلق “مبادرة أزنافور لأرمينيا”، واستطاع أن يقدم المساعدات لبلده الأصلي. كما خصص قسما كبيرا من ريع حفلاته لمساعدة الحكومة الأرمينية في إعادة الإعمار. والملفت في الأمر أن المبادرة لم تتوقف وتحولت على مدى 30 عاما إلى مؤسسة خيرية باسمه قدمت الكثير من الخدمات، من تأمين الكهرباء وتوريد الوقود إلى أرمينيا، وتوزيع 24 ألف فرن يعمل بالكيروسين على المتضررين والمحتاجين.

تعاون أزنافور مع المخرج الفرنسي الأرمني الأصل هنري فيرنوي ليطلبا من الفنانين الفرنسيين المشاركة في عمل خيري لأرمينيا، وقد نجحا في جمع أكثر من 90 فنانا، لإصدار أغنية “لأجلك أرمينيا”، التي بيعت منها الملايين من النسخ، وبقيت على قائمة أفضل الأغاني لمدة 18 أسبوعا، وعاد ريع مبيعاتها لمساعدة محتاجي الزلزال.

وفي عام 2008، تم منح أزنافور الجنسية الأرمينية، بعد أن حصل على وسام “بطل أرمينيا الوطني” وهو أعلى رتبة شرف تمنحها الدولة. ثم تولى منصب سفير أرمينيا في سويسرا.

آخر نشاطات أزنافور لأرمينيا قبل أن يرحل، كانت عام 2017 حين قرر مع ابنه نيكولا متابعة أنشطتهما الخيرية في وطنهما، من خلال إنشاء “مؤسسة أزنافور”، التي تهدف لمواصلة تطوير وتنفيذ البرامج التعليمية والاجتماعية والثقافية. وكان المشروع الأول للمؤسسة، إنشاء مركز أزنافور في قلب يريفان بأرمينيا، ويضم متحفا تكنولوجيا وتفاعليا للفنان الأسطوري شارل أزنافور ومركزا ثقافيا وتعليميا للشباب.

رحل أزنافور، لكن البشرية ستبقى طويلا تتذكره، وتحن لتلك اللحظات التي كان شريكاِ فيها لكل عاشق وعاشقة. كان صوته يتردد في الأنحاء، بينما كان كل شيء جميل يحدث.

12