شارل موريس تاليران وزير خارجية نابليون الأعرج

الأحد 2014/11/16
أحداث الراهن في الشرق تستحضر مهندس الحملة الفرنسية

كل ذي عاهة جبار؛ هكذا يقول المثل. سحب رجله الخشبية وحوّلها جسراً تنقّلت عليه فرنسا من عهد لويس السادس عشر، إلى الثورة الفرنسية فحكم نابليون بونابرت الأول، مرورا بشارل العاشر، وصولاً إلى لويس فيليب، شخصية إشكالية استقطابية مثيرة للجدل. إذا طُلب منك تسمية خمسة أشخاص تركوا بصماتهم في التاريخ الأوروبي، لن يكون إلا من بينهم. إذا أردت تحديد أبا الماسونية في فرنسا، فهو العنوان. خائن في عيون البعض؛ وطني فوق نابليون في عيون آخرين. صاحب أسوأ سمعة بفي عيون فريق ثالث؛ الأذكى والأدهى بالنسبة إلى فريق رابع . نسّق مع الكهنوت وأدار ظهره للكاثوليكية. تصل ذروة الدبلوماسية لوسط رجله الخشبية وتقف. ربما صنع نابليون لأنه لم يتمكن أن يكون نابليون؛ فكانت العقدة القاتلة، وكانت تألقات نابليون وانكساراته أيضاً.


ثعلب السياسة


إنه شارل موريس تاليران بريغور، المعروف اختصاراً بـ “تاليران”؛ خريج السوربون، ابن الأسرة الغنية الأرستقراطية، ثعلب السياسة والدبلوماسية الفرنسية، المولود في برج العباقرة في فبرايرـ شباط من العام 1754 والمتوفى بعد ذلك بثمان وثمانين عاما. خدم الملكية، وانقلب عليها. وساهم بصناعة نابليون؛ خدمه، وانقلب عليه ليخدم من خلَفه من أعدائه. سألوه عن تقلبه وعدم إخلاصه؛ فأجاب بأن فرنسا فوق الجميع وإخلاصه لها فقط. ولا ندري إن كان قد كذب حتى في ذلك.


ظرافة اللسان أم المحفل


كُثر من أترابه ومعاصريه من الشخصيات الكبيرة التي وطأت المقصلة الفرنسية رقابهم؛ ولكنه نجا منها رغم كل ما فعل. قالوا إنها كانت حلاوة لسانه وظرافته. حمته ظرافته، ولكنها كانت تذبح الآخرين؛ فبعد أن ذهب لخطبة ابنة القيصر الروسي لنابليون، وبعد إشادته بإمبراطوره، وعلى العشاء همس في أذن القيصر: “لو كنت مكانك لما زوجت ابنتي لرجل أيامه في الحكم معدودة” فكان أن رفض القيصر تزويج ابنته لنابليون؛ وكان أن علم نابليون بذلك، فقرّعه أشد تقريع؛ ولكن أيامه في الحكم انتهت فعلاً بعد أيام، ظرافته جعلته يردّ على امراة في عينها “حَوَل” أرادت أن تسخر من مشيته؛ فسألته: “كيف تمشي معك الأمور؟”، فأجاب: “كما ترين”. رغم كل ظرافته وحنكته إلا أن ذلك لم يكن كافيا لإنقاذه من المقصلة؛ فمن رصد حياته والحياة الفرنسية حينئذ قد فاته سحر وسر قوة المحافل التي أسسها تاليران.

شخصية إشكالية استقطابية مثيرة للجدل. إذا طُلب منك تسمية خمسة أشخاص تركوا بصماتهم في التاريخ الأوروبي، لن يكون تاليران إلا من بينهم


الحثالة وقليل الأدب


في العام 1809 حدث خلاف شديد بين تاليران ونابليون؛ حيث كان الأول مناهضا جدا لسياسة نابليون التوسعية؛ وفي اجتماع عام وصف نابليون تاليران بأقذع الكلام إلى درجة أنه رفع قبضته وكاد يهوي على تاليران؛ أما تاليران فكان غير مبال أو مكترث؛ وما كان منه -بعد أن فرغ الإجتماع- إلا أن قال: “إنه لمن دواعي الأسف أن يكون رجل عظيم على هذه الدرجة من قلة الأدب”. ثم تمر الأيام ويرجع نابليون متأسفاً لما حدث، لكن الجفوة استمرت بينهما.

وما يروى عن مواقف تاليران الدبلوماسية قوله: “ما تخليت عن حكومة خدمتها إلا تخلت هي عن نفسها”، لذلك فقد احتفظ تاليران بشخصيته واستقلال تفكيره أمام شخصية نابليون العنيفة، ويقول في هذا السياق: “كنت أحافظ دائماً على مصالح فرنسا أكثر من مصالح الأشخاص مهما كانوا”.


وجها القوة المهزومة


استنادا إلى جملة من المصادر والمؤلفات التي وضعها عدد من كتاب السير المبكرين، يعرض كتاب “معلم نابليون” لمؤلفه دافيد لوداي، حياة تاليران وعلاقة نابليون به من وجهة النظر الإنكليزية المنحازة إلى تاليران كصانع سلام وداعية إلى الوحدة الأوروبية. لقد جمعت الرجلين أغرب علاقة؛ فأحدهما كان يمثل الجسارة والطموح والعاطفة الجياشة المشوبة بروح المغامرة وأهواء الاعتداد بالنفس إلى حد النزق والغرور؛ والآخر تميّز بالمكر والدهاء والقدرة على مواجهة أحرج المواقف وأشد الأزمات قسوة، بكثير من الحيلة والصبر، بل وبقدر لا يستهان به من السخرية والازدراء. واحدهما كان يختزن قوة بدنية لا تعرف الإعياء أو الراحة، في حين عرف الآخر (تاليران) بالسقم البدني والشحوب وساق خشبية كان يحسن إخفاءها ببراعة مدهشة. أحدهما كان يريد غزو العالم وفتحه، في حين كان الآخر يفكر بأن فرنسا ينبغي أن تحسن صنعا ضمن حدودها، بل إنه تآمر مع أعداء البلاد لإعادتها إلى الصواب.

وفي تاريخ الأمم والدول، تواجد دائما أمثال تاليران قبل تاليران وبعد تاليران، ويبقى السؤال من منظور قيمي وأخلاقي، هو: هل لا بد للسياسة أن يصنعها أحيانا مثل هؤلاء؟ وهل صحيح أن للسياسة أخلاقها الخاصة؟ وأنه لابد من التسليم بذلك رغم ما يشوب ذلك من مرارة قد يشعر بها المثاليون الحالمون بجمهورية أفلاطون.


زيارة تعيسة للتاريخ


نسوق إطلالة على تاريخ تاليران علّ من هم في موقعه يتعظون ببعض دروس التاريخ. لم يكن هناك أقوى من نابليون في زمنه؛ تماما كما ليس هناك قوة تضاهي القوة الأميركية في عصرنا الحاضر. فلو عدنا بالتاريخ إلى الاستعداد الفرنسي النابليوني لاحتلال مصر، نشهد تكرارا للمشهد في تاريخنا الحديث مرتين لا واحدة: الأولى تجاه العراق والثانية ما يجري في سوريا وما حولها اليوم . ولكل من الأخيرتين صورة مختلفة عن الأخرى يجمعهما الحدث ويفرقهما كل عنصر وميزة وظرف فيه.

وإذا ما بدأنا بمصر ومرحلة التحضير النابليوني لغزو مصر وتحديدا في العام 1798، فلا بد أن نتذكر ما كتبه ذلك الثعلب الفرنسي تاليران لنابليون قائلاً: “إن أهالي مصر قاطبة يكرهون حكامهم المماليك الذين يسومونهم الظلم والاضطهاد، فإنهم لا شك سيحاربونهم مما سيسهّل مهمتنا”، فأثبتت الأحداث التي تلت غزوة نابليون إلى مصر خطأ التقدير الفرنسي. اكتشف المصريون -بتجربتهم الحية التي تمثلت في المقاومة ضد الغزاة- أن الفرنسيين دخلوا بلدهم مستعمرين وليسوا محرّرين؛ لقد وجد المصريون أنفسهم أمام فريقين واحدهم أسوأ من الآخر، خرج نابليون جارّاً ذيول الخيبة ومدركاً كم كان ما فعله خيانة لمبادئ الثورة الفرنسية وعلى رأسها مبدأ الحرية.

تاليران خائن في عيون البعض؛ وطني فوق نابليون في عيون آخرين، صاحب أسوأ سمعة في عيون فريق ثالث، الأذكى والأدهى بالنسبة إلى فريق رابع


التاريخ يعيد نفسه ولكن بالمقلوب


تكرر الأمر ذاته مع بوش الذي اعتقد أن العراقيين بسبب اضطهاد سلطتهم سيستقبلون الأميركيين بالورود ليُتَبيّن أنهم ما كانوا إلا غزاة ومدمرين للعراق ونسيجه الاجتماعي وقدراته الاقتصادية والثقافية والنفسية والعسكرية.

وها هي تتكرر الأحداث ثالثة، وتأتي فرصة الأميركيين بين أيديهم على طبق من ذهب. وكم يتمنى من يرزح تحت نير الظلم والطغيان أن يمد له من يرفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كي يتخلص من استعمار داخلي يجثم على صدره؛ ليكتشف الشعب السوري الذي يتطلع إلى الحرية والديمقراطية ودولة القانون والمواطنة ليس غزوا أميركيا لبلاده بهدف احتلالها كما كان حال مصر مع نابليون أو العراق مع جورج بوش بل حالة من ترك الاستعمار (الوطني) تقوم بما لا يريد أن يقوم به. وكما أعلن بوش يوماً انه ارتكب خطأً في العراق سيأتي اليوم الذي يقف فيه أوباما الموقف ذاته، لا لأنه احتل سوريا بل لأنه ساعد بموقفه وسياسة بلاده استمرار الاستعمار الداخلي لسوريا وتركها نهبا لكل شذاذ الآفاق الإرهابيين من العالم وخاصة ذلك الصمت المريب تجاه ما تفعله إيران في سوريا. السؤال الأساس هو: “من هو تاليران إدارة أوباما؟” وإن كان تاليران يعمل لصالح محفل حجمه فرنسا وربما أعلى؛ فلصالح من تاليران أميركا يعمل؟ وهل لأحد مصلحة أعلى من مصلحة إسرائيل لرؤية ما يحدث لسوريا يتم وبرعاية أميركية؟!


ملوك الفرص الضائعة الأقزام


لقد توفرت الفرصة أمام الإدارة الأميركية متمثلة بأوباما الأول وأوباما الثاني أن يكفّر ليس عن خطيئة سلفه جورج بوش الابن أو الأب بل عن التراث السياسي الأميركي الذي يمثل عنوان الخطيئة المرتكبة تاريخيا تجاه الشرق الأوسط بتحرير السوريين من ربقة الاستبداد. أتت الفرصة إلى باب بيت أوباما ولم يلتقطها . وهنا نسأل: هل كان السبب غيرة هيلاري ممن خطف منها الرئاسة؟ ألم ترَ و لم تقل شيئاً كي لا يدخل من تغار منه وتكرهه التاريخ كنصير لحرية الشعوب ومكفّرا عن ذنوب أميركا في الشرق الأوسط؟ ألم يظهر ذلك جليا في كتابها الأخير، ولكن بعد فوات الأوان؟! أهي أيضاً غيرة العجوز كيري؟ فهو يرى ويسمع ويلمس؛ ولا يفعل كي لا ينال من سرق منه البيت البيض أيضاً شرف هكذا منجز؛ أم أن كيري حريص على نظام الأسد الذي تربطه به صداقة عميقة عندما كان مرشحا للرئاسة الأميركية. أم أن الجميع وبفعل ماسوني وصهيوني حرصوا أن يلتزموا بشعار إسرائيل “الأسد أو تتحول سوريا إلى حالة مشلولة لعقود؟”.


عودة لتاليران


وبالعودة إلى وجه تاليران، لا بد من الختام بلحظة اختتامه لحياته، فـرغم كل مفاسده وسمعته السيئة وعيشه الفاسد، كمعظم الفاسدين والمتفسخين فإنه مات أيضا كذلك في عز وسؤدد. فعلى فراش موته كان بين عواده المحيطين به الملك لويس فيليب نفسه؛ وكان يعاني من آلام شديدة، فتمتم قائلا للملك: “مولاي إنني أتألم كالهالكين”. فرد عليه الملك قائلا: “منذ الآن؟!” لا بد وأن تنتهي تلك السيرة بالهلاك إن لم يكن على فراش الموت، فإنه على صفيح نار التاريخ.

7