شاشات تبحث عن مشاهدين دائمين

نحن أمام نمط من المشاهدة ونوع من الجمهور يستدعي وعيا كاملا بوسائل العمل الإعلامي الفضائي المتجددة عالميا والتي مازالت الكثير من الفضائيات تفتقر لها.
الثلاثاء 2018/04/24
الخروج عن النمطية

تتكاثر الشاشات من حولنا، وتثير الكثير من التساؤلات خاصة في العالم العربي عن سرّ هذا التكاثر العجيب. البعض يرى في ذلك علامة صحّية في العمل الإعلامي، أن هنالك نموّا تصاعديّا في وسائل الإعلام يُخرجها عن النمطية بما يتيح لجمهور المشاهدين اختيارات متنوّعة.

في المقابل، هنالك من يغربل ذلك الكم الكبير من الفضائيات ويقوم بتصنيفها منهجيا ويخرج بمحصلة أن كثيرا منها مفيد، ولكن في مقابل ذلك هنالك ما لا جدوى منه.

بالطبع سوف يبرز السؤال في موازاة ذلك: يا ترى من هو وما هو جمهور تلك الفضائيات المتكاثرة التي ينافس بعضها البعض وتسعى لاجتذاب ذلك الجمهور بشتى الوسائل؟

هنالك نوع من تلك الفضائيات يبدو أنه ليس في حاجة إلى جمهور وهو أمر عجيب، إذ لا يوجد لا في سياستها الإعلامية ولا في برامجها ما يقيم أي صلة مع الجمهور أو ما يعرف إعلاميا بالمشاهدة المستدامة والجمهور المتكرر. الأساس في ذلك أنها فضائيات تلقي خطابها الإعلامي في الفضاء الفسيح بصرف النظر عمن تلقى ذلك الخطاب أو لم يتلقه أصلا.

وسيبرز سؤال آخر بالمقابل عن التكلفة المالية والإنفاق على فضائيات هذا النوع الذي كمن يسير في فراغ فلا يقيم وزنا ولا يعطي أهمية للطرف الثاني من المعادلة الإعلامية الاتصالية: المستقبِل بعد المرسِل والرسالة. فهل صرنا أمام نوع هجيني في الإعلام العربي ذلك الذي لا جمهور مستداما له ولا غاية له في التأثير في أي عيّنة من ذلك الجمهور؟

المشاهد العربي الافتراضي بإمكانه أن يمضي ساعات في مشاهدة تلك المسلسلات الطويلة وفي مشاهدة فعاليات كرة القدم، لكنه لن يمنح تلك الساعات من وقت المشاهدة لبرامج إخبارية متكررة

بالطبع هنالك فضائيات ينفق عليها مستثمرون ورجال أعمال وأحزاب وما إلى ذلك ومن حق هؤلاء أن ينفقوا أموالهم بالطريقة والمكان الذي يختارونه، لكن الإشكالية تبرز ساعة أن تقدم الفضائية نفسها في إطار منظومة إعلام عربي يعتمد البث التلفزيوني الفضائي وخطابها موجّه إلى جمهور عربي، في تلك الحالة سوف ينطبق عليها ما ينطبق على سواها من معايير عمل إعلامية.

في وسط ذلك سوف تثار مرارا قضية الجمهور الذي يهجر وسائل الإعلام الفضائية في العالم العربي ويجد في القنوات المتخصصة بديلا عن الخطاب السياسي الذي يتكرر خاصة في ما يتعلق بالسياسة ومتغيراتها، إذ يجد جمهور عريض في مسلسلات طويلة يصل عدد حلقاتها إلى المئات وفي مباريات رياضية بديلا مناسبا.

المشاهد العربي الافتراضي بإمكانه أن يمضي ساعات في مشاهدة تلك المسلسلات الطويلة وفي مشاهدة فعاليات كرة القدم، لكنه لن يمنح تلك الساعات من وقت المشاهدة لبرامج إخبارية متكررة ونشرات أخبار تتسم بالنمطية والجمود.

بهذا سوف تنفصل القناة الفضائية عن مشاهديها الدائمين لأنها تكون قد خسرت فرصة المنافسة وإيجاد بدائل تجتذب لها جمهورها الذي تفقده باطراد، ذلك الجمهور الذي وجد بدائل أخرى تناسبه.

واقعيا نحن أمام نمط من المشاهدة ونوع من الجمهور يستدعي وعيا كاملا بوسائل العمل الإعلامي الفضائي المتجددة عالميا والتي مازالت الكثير من الفضائيات تفتقر لها وهي تدور في فلك الأساليب والطرائق التقليدية وتتناسى مهمتها الأساسية في مسألة الجمهور المستهدف.

ليس استثناء لأي فضائية أن تجري استطلاعا للرأي وتتعرف واقعيا على نسبة المشاهدة وما هو ومن هو جمهورها، وما هي نتائج وثمار سياستها البرامجية وما تأثيرها على الجمهور، لكن ذلك- للأسف- نادر الحدوث في العالم العربي ربما لأن بعض الفضائيات لا تريد ولا ترغب في أن تواجه الحقيقة التي تتعلق بانحسار الجمهور أو قلّته أو جهله أصلا بالقناة وبرامجها وهي إشكالية تمس جوهر المهمة الإعلامية للفضائية.

18