شاشة الطعام أحسن من شاشة الأخبار

السبت 2014/10/25

لونُ تشرين السنةَ القائمةَ على أوشالها، لونٌ أصفر مثلُ مقبرةٍ نائمةٍ على لسان شمسٍ تكاد تطمسُ في بئر العصر. الورقُ اليابسُ فوق الإسفلت يجلبُ الكثير من اليأس. كرةُ القدم تمنح القليل من الراحة، كما لو أنها ترميماتٍ ممكنةٍ لأعطاب نشرة أخبار المساء.

يعجبني جداً التفرّجَ على أفلام الطبيعة، لكن ليس ذلك الفلم الملعون الذي يظهرُ فيه أسدٌ ضخمٌ وهو يغرسُ أنيابهُ وقواطعهُ بظهر غزالةٍ مستسلمةٍ، وعلى مبعدة آخر أنفاسها، ثمة قطيع غزلان شاردات اكتفين برَشِّ نظرات الجبن المبين. قوة الكآبة تسحلني صوبَ تلفزيونات الأكل.

لا خسائرَ نفسيةً في المسألة. شرائط الطعام الفرجة، هي فواتح شهيةٍ ممكنة وتوطئةٍ حميدةٍ لغزوةٍ موفّقةٍ في مطبخ العائلة. ثمة طبّاخٌ مشهور أظنّهُ من بلاد الكناغر، يحرثُ في زرع ولحمِ وماء الطبيعة البِكْر، ويستعمل أصابعهُ في العجنِ والتفتيتِ والعصْر واللطعِ بداعي التذوّق. لباسهُ وحركاته الرشيقة، تحفّز النظارة، كأنها طشّة فلفلٍ حار أو رشقة بهار يجعلُ أرنبة الخشم ترقصُ على مقام السمك المسكوف.

بسببٍ من طول الجلوس قدّام شاشة التشهّي، انفتحَ المنظرُ الآنَ على قدْرٍ عملاقٍ تفورُ بداخلهِ تشكيلةٌ منوعة من أكلةٍ لحميةٍ تسمّيها الناس من أهل العراق، الباجةُ التي أثاثها المشهور، رأس الخروف واللسان والمقادم والكوارع والكرشات والمصارين المحشّاة المتبّلات بالطيب وبالغار وبما تيسّر من كواتم الزَفَر، وهذه الأكلة الدهينة الجبارة، تُلتَهمُ بشيءٍ من العجالة والفحولة ونسف الأردان والأكمام والشوارب، وأغلبُ الظنّ هو أنّ أحداً عاشقاً من سكنة البلاد، لم يجرؤ على عزومة حبيبته الحلوة بمطعم باجةٍ وكوارع وفوارع، وطاقةٍ لو أنزلتها فوق أرضٍ نيئةٍ يباب، لصاحتْ صيحة وردة الجزائرية: إشتروني واشتروا خاطر عيوني !!

شخصياً، أُفضّلُ السواخن الباخرات على البوارد الساكتات، وأكل الهند والسند، على أكل الصين وما حولها، وبعضُ ما تعرضهُ الشرائط الملونات بالعوافي، قد يكون غريباً على عينيَّ، وآخر أشعر معه بالعجب وبالانذهال، إذ يُقبلُ واحدٌ من عتاة الجياع من صنف مثقوبي الجيوب والآمال، فيطلب من شيخ الندل سندويجةً ملفوفةً على كرشةٍ ومصران وبقيا كارعٍ ممصوص، حتى ليبدو أمرهُ مريباً وملتبساً مزروعاً بموضع شبهةٍ، وحالهُ من حال صانعِ قصيدة نثر في حبّ الوطن لا تفهمها الرعية المفتّحة باللبن وبالتيزاب. شكراً . كونوا بخير.

24